ومن الأمثلة على علو الهمة في وقتنا المعاصر: ما أخبرني به أحد الإخوة أن هناك أعمى وأصم وأبكم لا تفوته تكبيرة الإحرام، والعجيب أن الذي يقوده إلى المسجد: ابنه وهو أصم وأبكم، ومع ذلك: الاثنان عندهما همة عالية للمبادرة إلى بيوت اللَّه، والصلاة مع الجماعة، مع أنهما معذوران شرعًا.
وقال المتنبي:
وإذَا كانَتِ النُّفوسُ كِبارًا ... تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ
وقال أيضًا:
إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مروم ... فَلا تَقْنَعْ بِمَا دُونَ النُّجومِ
فَطعْمُ المَوتِ في أمرٍ حقيرٍ ... كَطَعْمِ المَوتِ في أمرٍ عَظيمٍ
وقال أبو فراس الحمداني:
ونَحْنُ أُناسٌ لا تَوسُّطُ عنْدَنَا ... لَنَا الصَدْرُ دُونَ العالمِينَ أو القبرُ
تَهونُ عَليْنَا في المَعَالِي نُفُوسُنا ... ومَنْ خَطَبَ الحَسْنَاءَ لم يُغلهِ المهرُ
قال ابن القيم رحمه الله وهو يتحدث عن الهمة: فكيف يحسن بذي همة قد أزاح اللَّه عنه علله، وعَرَّفَهُ السعادة والشقاوة أن يرضى بأن يكون حيوانًا وقد أمكنه أن يصير إنسانًا، وبأن يكون إنسانًا وقد أمكنه أن يكون ملكًا، وبأن يكون ملكًا وقد أمكنه أن يكون ملكًا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فتقوم الملائكة في خدمته، وتدخل عليهم من كل باب، قال تعالى: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار (24) } [الرعد] .