فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 442

و كان محمد بن واسع يصلي في طريق الحج طول ليله, و يأمر حاديه أن يرفع صوته ليشغل الناس عنه, وكان بعضهم يقوم من وسط الليل, ولا يُدرى به, فإذا كان قرب طلوع الفجر رفع صوته بالقرآن يوهم أنه قام تلك الساعة, و لأن صلاة الليل أشق على النفوس, فإن الليل محل النوم و الراحة من التعب بالنهار, فترك النوم مع ميل النفس إليه مجاهدة عظيمة.

قال بعضهم: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس, ولأن القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر, فإنه تنقطع الشواغل بالليل, و يحضر القلب, و يتواطأ هو واللسان على الفهم. كما قال تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا [1] } ولهذا المعنى أمر بترتيل القرآن في قيام الليل ترتيلا, ولهذا كانت صلاة الليل تنهاه عن الإثم, كما في حديث أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله إن فلانا يصلي الليل كله فإذا أصبح سرق قال: (سينهاه ما تقول)

قال أبو حاتم: (سينهاه ما تقول) مما نقول في كتبنا: إن العرب تضيف الفعل إلى الفعل نفسه كما تضيف إلى الفاعل أراد صلى الله عليه وسلم: أن الصلاة إذا كانت على الحقيقة في الابتداء والانتهاء يكون المصلي مجانبا للمحظورات معها كقوله عز وجل: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [2] ولأن وقت التهجد من الليل أفضل أوقات التطوع بالصلاة, وأقرب ما يكون العبد من ربه, وهو وقت فتح أبواب السماء, واستجابة الدعاء, واستعراض حوائج السائلين, وقد مدح الله تعالى المستيقظين بالليل لذكره, ودعائه, واستغفاره ومناجاته. [3]

فقال الله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا و طمعا و مما رزقناهم ينفقون*فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [4] و قالت عائشة

(1) - سورة المزمل آية (6)

(2) -أخرجه ابن حبان في صحيحه , كتاب الصلاة, باب النوافل, رقم (2560) ج1ص300, و قال شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي. و ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد , كتاب التفسير,. باب سورة العنكبوت, رقم (11259) ج 7 ص 203.

(3) - لطائف المعارف ج 1 ص 43.

(4) - سورة السجدة آية (16)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت