يبقى للإنسان إلا ما أخلده لنفسه من سيرة وأخلاق كريمة, وأعمال صالحة؛ لهذا قال الله تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} [1]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"ألا فزوروا القبور, فإنها تزهد في الدنيا, و تذكر الآخرة" [2] أي تذكركم بالدار الباقية, تذكركم بما يبقى من حياة الإنسان, فيجد, ويسعى, ويسهر في طلب الحصول على ما يبقى, ويزهد فيما يفنى, وينتهي ويزول.
تذكرنا القبور بالآخرة, بحال من سبقونا, وكانوا معنا, وودعونا, وفارقونا, وأننا على دربهم سائرون, ولاحقون فالنجاة النجاة.
فما نحن إلا مثلهم, غير أننا أقمنا قليلا بعدهم , وتقدموا.
ألا قل للمباهين بالدنيا وما فيها ... إلى هنا تنتهي الدنيا بما فيها
قد مات قوم وماماتت مكارمهم ... وعاش قوم وهم في الناس أموات
ولهذا يصف الذين عاشوا وما عاشوا يناديهم المولى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} فما هي إلا سنة من الدهر حتى تزلزل الأرض, وترتعد السماء, وتندك الجبال, وتجلجل صيحة الخروج, وتلفظ القبور ما فيها, وتخرج الأرض أثقالها, ويومها يقول الإنسان مَا لَهَا: {يومَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ [3] رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}
ولقد استجاب السلف الصالح لقرآن الله, وعملوا بما فيه فسعدوا, وإن لنا فيهم قدوة فهذا هو مالك بن دينار قال: أتيت القبور يومًا لأعتبر, وأزدجر, فإذا بهلول المجنون قاعدا بين القبور, وهو ينظر إلى السماء, فيبتهل وإلى الأرض فيعتبر, وينظر إلى يمينه فيضحك, وعن يساره فيبكي, فقلت له: السلام عليك يا بهلول مالي أراك قاعدا بين القبور وتضحك.
(1) - سورة الذاريات آية (55) .
(2) - سبق تخريجه.
(3) -سورة الزلزلة آيات: 4,5,6.