قال: يا مالك إذا نظرت إلى السماء تذكرت وعد ربي {وفي السماء رزقكم وما توعدون} فحق لمن سمعها أن يبتهل, وإذا نظرت إلى الأرض تذكرت قول ربي {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} فحق لمن سمعها أن يعتبر , وإذا نظرت إلى اليمين تذكرت قول ربي {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضوض وطلح منضوض} فحق لمن سمعها أن يسعد.
وإذا نظرت إلى الشمال تذكرت قول ربي: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم} فحق لمن سمعها أن يبكي.
فهذا فكر من اتعظ بالقبور, تفكر في عاقبة أمره واتعظ بغيره, زار القبر فعرف أنه بيت الوحدة والوحشة, وأول طريق الآخرة, فعمل له بقوله وفعله وفكره وقلبه.
يروى أن عطاء السلمي لما مرض مرض موته, دخل أحد زواره يعوده فقال له: كيف حالك؟ فقال: الموت في عنقي, والقبر في يدي, والقيامة موقعي, وجسر جهنم طريقي, ولا أدري ما يفعل بي, ثم بكى بكاء شديدًا, فلما أفاق قال: اللهم ارحم وحشتي في القبر, ومصرعي عند الموت, وارحم نفاقي بين يديك يا أرحم الراحمين.
هؤلاء الصفوة تعلموا من مدرسة القبور, كيف يأخذون العبرة والعظة والدرس, تأملوا حال الموتى, وحالهم مع الموتى, فاعتبروا وباتوا تنهمر أعينهم من الدمع, حزنا على ما فرطوا في جنب الله علموا أن الفوز والنجاة لا تكون إلا لنفوس أخفاها الوجد وأنهرها الحزن والخوف من لقاء الله, فالبكاء يطفئ الذنوب, كما يطفئ الماء الجمر, ويحيي موات القلوب كما يحيي الله تعالى بالماء كل شيء حي. قال تعالى في وصف عباده المؤمنين: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} آيات الرحمن المرئية والمسموعة, والمعقولة بالفكر والتفكر في ألاء الله.
دخل المزني رحمه الله على إمامنا الشافعي في مرضه الذي ودع الدنيا فيه فقال له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ فقال: أصبحت عن الديار راحلا وللإخوان مفارقا ولكأس المنية شاربا, ولسوء عملي ملاقيا, وعلى الله ربي واردا, ولا أدري أيأمر بي إلى الجنة فأهنئ نفسي؟ أم إلى النار فأعزيها؟ ثم بكى وهو يقول: