وروى ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا, فسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام" [1] , ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد شرع السلام على أهل القبور وعلم الأمة ذلك, وهذا دليل كاف على أن السلام لا يكون مشروعًا إلا في حق من يسمع, ويعقل, وإلا لكان تشريعًا باطلا, ومحال أن يشرع النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرًا باطلا, وهذا كله إنما هو في حق الأرواح والأنفس المؤمنة المنعمة, فهي التي ترد السلام, وتعرف من يزورها, وتأنس به, وتتزاور مع بعضها قال الله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} [2] أي في دار الدنيا ودار البرزخ, ولا يخفى على مسلم أن إمام المتقين وصفوة الخليقة - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم عليه مسلم رد عليه - صلى الله عليه وسلم - السلام, وهكذا فإن كل المؤمنين يعرفوا كذلك بالتبعية لإمامهم فالمعية ثابتة في دار الدنيا, ودار البرزخ, ودار الجزاء, والمرء مع من أحب في الدور الثلاثة.
قال ابن القيم: الأرواح قسمان: منعمة , ومعذبة.
فأما المعذبة: فهي في سفل عن التزاور والتلاقي.
وأما المنعمة المرسلة غير المحبوسة, فتتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا, وما يكون من أهل الدنيا, فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو مثل عملها. وروح نبينا - صلى الله عليه وسلم - في الرفيق الأعلى, ومعه من أخبر أنهم معه في القرآن, أو في السنة الشريفة.
عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا حضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء, فيقولون اخرجي راضية مرضيا عنك إلى روح الله, وريحان, ورب غير غضبان, فتخرج كأطيب ريح المسك, حتى أنه ليناوله بعضهم بعضًا, حتى يأتون به باب السماء فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض, فيأتون به أرواح المؤمنين, فلهم أشد فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدم عليه, فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه فإنه كان في غم
(1) - أفاد الحافظ العراقي أن ابن عبد البر خرجه في التمهيد والاستذكار بإسناد صحيح من حديث ابن عباس وممن صححه عبد الحق , ويراجع: حاشية الطحاوي على المراقي ,ج 2 ص 619 ,الآيات البينات ج 1ص 68. عمدة القاري ج 8 ص 69, فيض القدير ج 5 ص 487.
(2) - سورة النساء آية (69)