وقد سلك الإسلام لتحقيق هذا المبدأ سبلا شتى, حيث دعا إلى الجماعة في الصلوات, وأمرنا أن نصلي الخمس أوقات كل يوم في جماعة؛ حتى تجتمع القلوب, وتتوحد الصفوف, فتأخذ من ذلك درسًا بليغًا في حياتنا العملية.
وأمرنا أن نجتمع اجتماعًا أسبوعيًا آخر, وهو اجتماع الجمعة, ثم اجتماعًا سنويًا على مستوى الأمة أجمع, في أطهر بقاع الأرض حيث مكة الطاهرة وبيت الله العتيق, وفي هذا الاجتماع الكبير, اجتماع الحج والحجيج, تتمثل المساواة الحقيقية بين أبناء الأمة, حيث يلبس الكل ملابس الإحرام, فلا فرق بين غني وفقير, ولا وزير وعامل, ولا حاكم ومحكوم, كما يقف الكل في الصلاة, الغني بجانب الفقير, كما يدخل الكل بعد ذلك القبر في كفنه, يصير رمادًا وترابًا, فلا فرق بين الحرير أو الرخيص.
إن ذلك كله يؤكد وحدة المسلمين في كل مكان, فلا تميز للون, ولا لجنس, ولا لطبقة على طبقة: {إنما المؤمنون أخوة} [1] ,:"والمسلم أخو المسلم" [2]
قال تعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتون من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم} [3]
فالمنافع ليست هي التجارة وحدها كما يتوهم الناس, ولكنها كل ما يهم أمر المجتمعات الإسلامية, التي جعلت من الحج مؤتمرًا عالميًا للتعاون والتعارف, والتي جعلت من الحج فريضة تتميز بأن تلتقي فيها الدنيا بالآخرة.
أيها المسلمون:
إن رحلة الحج رحلة طهر وصفاء, رحلة تجرد من الذنوب والآثام, رحلة شوق وحنين إلى أرض الحرم, إلى أرض الوحي, إلى أرض الرسالات, إلى أرض ابتدأ الله نزول آياته منها على قلب حبيبه المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
رحلة يتجرد فيها المسلم إلى الله, يخلع ملابس الزينة والفضول والفخر والرياء, ويغدو إلى الله محرمًا, كيوم يلقاه عند الممات, رافعًا يديه إلى الفلاء والسماء, يردد قلبه قبل لسانه: لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك, إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
(1) - سورة الفتح آية (10) .
(2) - سبق تخريجه.
(3) - سورة الفتح آية (10) .