"إلى قوله: {فَاهْجُرْ} [المدثر: 5] ثم حمي الوحي وتتابع"؛ أي: اشتد نزوله متتابعًا متواترًا.
4558 - عَنْ عَائِشَةَ رَضيَ الله عَنْها: أنَّ الحَارِثَ بن هِشامٍ - رضي الله عنه - سَألَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَال: يا رَسُوْلَ الله! كيفَ يأتِيكَ الوَحْيُ؟ فقالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم:"أحْيانًا يأْتِيني مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهوَ أَشَدُّهُ عَليَّ، فَيُفْصِمُ عنِّي وقدْ وَعَيْتُ عنهُ ما قَالَ، وأحْيانًا يَتمثَّلُ لي المَلَكُ رجُلًا فيُكلِّمُني فأعِي ما يقولُ"، قالت عَائِشَةُ رَضيَ الله عَنْها: ولقدْ رأيتُهُ يَنزِلُ عليهِ الوَحْيُ في اليومِ الشَّديدِ البرْدِ، فيَفْصِمُ عَنهُ وإنَّ جَبينَهُ ليَتَفَصَّدُ عَرَقًا.
"عن عائشة - رضي الله عنها - أن الحارث بن هشام سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟"، (كيف) سؤالٌ عن الحال.
"فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: أحيانًا"جمع (حين) ، نصب على الظرفية.
"يأتيني مثل صلصلة الجرس"؛ أي: صوته إذا حرِّك، وهذه الصلصلةُ كانت من ضرب أجنحة الملك الذي كان يهبط إليه.
قال الخطابي: يريد -والله أعلم- أنه صوتٌ متدارِكٌ يسمعه ولا يثبته عند أول ما يقرع سمعه حتى يتفهم فيتلقَّفه ويعيه، ولذا قال:
"وهو أَشَدُّه"؛ أي: إتيانه إياي مثلَ صلصلة الجرس أشدُّ نوعي الوحي"عليَّ، فيَفْصِمُ عني"؛ أي: ينقطع الوحي عني"وقد وعيت عنه"؛ أي: حفظت"ما قال".
وإنما حقَّق الوحيَ في هذا النوع بحرف (قد) ؛ لبعد الوحي في هذه الحال لصعوبته وعسره فيها.