"عن بُرَيدة: أن النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال لرجلٍ عليه خاتَمٌ مِن شَبَهٍ"، وهو ضربٌ من النحاس، سُمّيَ به لشبهه بالذهب لونًا.
"ما لي أجدُ منك ريحَ الأَصْنَام"؛ لأنها كانت تُتخَذُ من الشَّبَه.
"فطرحَه"؛ أي: ألقى الرجلُ ذلك الخاتَم.
"ثم جاءَ وعليه خاتَم من حديد، فقال: ما لي أرى عليكَ حِلْيةَ أهلِ النار"، حليةُ الرجلِ - بالكسر: صفة، وإنما كرهَه؛ لأنه زِيُّ بعضِ الكُفار، أو لأنَّ الكُفَّارَ يعذَّبُون بالسلاسلِ والأغلالِ، وهي في عُرْفنا تُتخَذُ من الحديد.
"فطرحَه"، وبهذا كرهَ بعضٌ التختُّمَ به.
"فقال: اتَّخِذْه من وَرِقٍ ولا تُتِمَّه مثقالًا"، وهذا نهيُ إرشادِ على الوَرَع، فإنَّ الأَولى أن يكون الخاتمُ أقلَّ من مثقال؛ لأنه من السَّرَف أبعدُ، وإلى التواضع أقربُ، فإن أتمَّه مثقالًا، أو زادَ عليه جاز.
3390/ -م - قالَ الإمامُ رحمه الله: وقد صحَّ عن سهلِ بن سَعْدٍ في الصَّداقِ: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجلٍ:"اِلتَمِسْ ولو خاتَمًا مِن حديدٍ".
"قال المصنِّفُ: وقد صحَّ عن سهلِ بن سعدٍ في حديث الصَّدَاق: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: التمِسْ ولو خاتَمًا مِن حديد"، وهذا يدلُّ على الرُّخْصَة في التختُّم بالحديد، وبه قال بعضٌ، وأوردَه المؤلِّفُ هنا تنبيهًا على أنَّ النهيَ عنه ليس نهيَ تحريمٍ، وإلا لما جَوَّزَ التماسَ الخاتم من حديدٍ وجَعْلَه صداقًا.
قيل: وجهُ التوفيقِ هو أنَّ معنى قوله: (ولو خاتمًا) المبالغةُ في بَذْل ما يمكِنُه في النِّكاح، وإن كان شيئًا يسيرًا، كما يقال: أعطِ زيدًا ولو كَفًا من تراب، فجَعْلُه - صلى الله عليه وسلم - إياه مَهْرًا لا يدلُّ على جواز التختُّم به، وإن سُلِّمَ الجوازُ فحديثُ سهلٍ