وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَاعْلَمُوا - أَصْلَحَكُمْ اللَّهُ - أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ قَالَ: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) وَثَبَتَ أَنَّهُمْ بِالشَّامِ.
فَهَذِهِ الْفِتْنَةُ قَدْ تُفَرِّقُ النَّاسُ فِيهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ: الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ وَهُمْ الْمُجَاهِدُونَ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ. وَالطَّائِفَةُ الْمُخَالِفَةُ وَهُمْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَمَنْ تَحَيَّزَ إلَيْهِمْ مِنْ خبالة الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ. وَالطَّائِفَةُ الْمُخَذِّلَةُ وَهُمْ الْقَاعِدُونَ عَنْ جِهَادِهِمْ; وَإِنْ كَانُوا صَحِيحِي الْإِسْلَامِ.
فَلْيَنْظُرْ الرَّجُلُ أَيَكُونُ مِنْ الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ أَمْ مِنْ الْخَاذِلَةِ، أَمْ مِنْ الْمُخَالِفَةِ؟ فَمَا بَقِيَ قِسْمٌ رَابِعٌ." [1] ."
فعُلِم من ذلك: أن أخطر المرتدين من ارتدّ عن بعض الشرائع، ثم بقي منتسبا إلى الإسلام وفي داره، وما أكثرهم اليوم!! فكيف بمن نحّى الشريعة بأكملها عن السيادة وسلطة الحكم؟. ورحم الله أبا الوفاء بن عقيل حين قال:
(إذا أردت أن تعرف محلّ الإسلام من أهل الزّمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف ب"لبيك"وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداءَ الشريعة، عاش ابن الراونديّ والمعرّي، عليهما لعائن الله، ينظمون وينثرون كفرًا وعاشوا سنين، وعُظّمت قبورهم، واشتُرِيَتْ تصانيفهم، وهذا يدلّ على برودة الدين في القلب) [2] .
ويقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام في زنديق آخر: (وبلغني عن بعض الزنادقة الذين أعمى الله قلوبهم أنه قال: في الشريعة عدل وجور، ومثّل الجور بإيجاب الدية على العاقلة) إلى أن يقول في الحكم عليه: (متظاهر بالإسلام وليس بمسلمٍ {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} . ومن ضَعْفِ الإسلام تركُ هذا الزنديق يتصرّف بين الأنام، ولو قُتِلَ هذا الخبيثُ من حين سمع منه هذا الكلام لكان ذلك إجلالًا للدّين وإعزازًا للإسلام) [3] .
أهل البدع الكبار:
وأما أهل البدع الكبار، فيصوّر لنا بليّتهم بعضُ فقهاء الإسلام.
قال الشيخ أبو الفضل الهمداني رحمه الله: (مبتدعة الإسلام والكذابون والواضعون للحديث أشدّ من الملحدين، لأن الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفسادَه من داخل، فهم
(1) مجموع الفتاوى (28/ 413 - 416)
(2) 4 - الآداب الشرعية لابن مفلح (1/ 255)
(3) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 39 - 40) .