فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 83

اعلم رعاك الله أن المحاربة نوعان: محاربة باليد، ومحاربة باللسان.

والمحاربة باللسان في باب الدّين قد تكون أنكى من المحاربة باليد، ولذلك كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقتل من كان يحاربه باللسان مع استبقائه بعض من حاربه باليد، لأن المجاهرة بكلمة الكفر في دار الإسلام كالمجاهرة بضرب السيف بل أشدّ.

وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده الأيدي، كما أن ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد، فثبت أن محاربة الله ورسوله باللسان أشدّ، والسعي في الأرض لفساد الدين باللسان أخطر.

والمحاربة خلاف المسالمة، والمسالمة: أن يسلم كل من المتسالمين من أذى الآخر، فمن لم تسلم من يده أو لسانه فليس بمسالم لك، بل هو محارب [1] .

وقد علم المسلمون أن أشدّ الناس محاربةً للحق وأهله المنافقون، وحربهم للدين من الدّاخل بأنكى الوسائل وأفتكها (اللسان) ، فيظهر الزنديق المنافقُ في صورة صديقٍ موافقٍ، بما أوتوا من بيان وسحر اللسان، فاشتدت البليّة منهم على المخلصين، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: " فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف، وهم فوقهم في دركات النار، لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله، وزادت المنافقون عليهم بالكذب والنفاق. وبليّة المسلمين بهم أعظم من بليّتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى في حقهم: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} ، قال: فإن ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين لهم - وهم في الباطن على خلاف دينهم - أشدّ عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا ثم ينقضي، ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الدار والمنازل صباحا ومساء يدلّون العدوّ على عوراتهم، ويتربّصون بهم الدوائر، ولا يمكنهم مناجزتهم. فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر" [2] ."

وقال أيضا رحمه الله تعالى:"فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل والقائمون به أفراد في العالم والمشاركون فيه والمعاونون عليه وإن كانوا هم الأقلين عددا فهم الأعظمون عند الله قدرا" [3] .

المرتد وضرره على الإسلام

وتقرّر أيضا عند فقهاء الإسلام: أنّ المرتدّ أسوأ حالًا وأشدّ أحكاما من الكافر الأصلي في مسائل كثيرة، بلغت عند الشافعية عشرين مسألة [4] قال شيخ الإسلام في بيان حال التتار المنتسبين إلى

(1) الصارم المسلول على شاتم الرسول (3/ 735 - 736)

(2) طريق الهجرتين وباب السعادتين (2/ 878 - )

(3) زاد المعاد (3/ 5)

(4) الاعتناء في الفرق والاستثناء للبكري الشافعي (2/ 995 - 997) والأشباه والنظائر في فروع الشافعية (2/ 188) للسيوطي. وحاشية الشرقاوي على شرح التحرير (2/ 387 - 389)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت