فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 94

وهاجر أمّ إسماعيل مصريّة، وهذا شرف لأهل مصر، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: (ستفتحون أرضًا يُذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذِمَّة ورَحِمًا) [1] ، وجميع الأنبياء باستثنائه - صلى الله عليه وسلم - كانوا من نسل إسحاق، الوحيد الذي كان من نسل إسماعيل هو نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، خاتم الأنبياء والمرسلين سيد ولد آدم ولا فخر.

وفي هذا من الإشارات ما لو أردنا أن نتوقف عندها لأخذ منا زمنًا طويلًا، ولهذا كان اليهود ينتظرون مبعثه - صلى الله عليه وسلم - منهم، فلمّا خرج من العرب حسدوهم، بل أكل الحسد قلوبهم، كيف تُصرف النبوة عنهم في خاتمها!، وكان الحسد أثّر في تلك القلوب النَّتِنة. وفي هذا التحويل من عند الله تعالى من الحكم الشيء الكثير، وهو في حدّ ذاته من علامات ودلالات نبوته - صلى الله عليه وسلم -.

نقول كان هذا المنبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - في تلك الأسرة التي لها شأنها عند العرب بعضًا مما أعدّ الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - ويَسَّرَ له من أسباب النجاح، ولك أن تتخيل الدور الذي تلعبه القومية أو بمصطلح عصرهم القبليّة والأُسريّة في مجتمع لحمته تلك القبليّة والنزعة العشائريّة، فكان لها بالفعل دور رئيسيّ في المجتمع في كل صغيرة وكبيرة، بل كانت الحروب الطاحنة تقوم لا لشيء إلا أن تتعرّض كرامة القبيلة لبعض الإهانة، هذا الأمر كان لا يقبل النزاع والنقاش عند العربيّ، فكان للنزعة القبائلية والعشائرية دورٌ كبيرٌ في حماية كل من ينتسب لتلك العشيرة والقبيلة، وهذا أمر سوف نراه بصورة واضحة في سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الفترة المكية قبل أن يُمكِّنَ اللهُ لهذا الدين وقبل أن تَشْتَدَّ شوكته وشوكة أتباعه.

فعلى سبيل التوضيح ذلك الدور الذي لعبه -بمشيئة الله وبإذنه- عمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو طالب، كان هذا الدور يعتمد في الأساس على تلك النزعة القلبية والعشائرية والتي لم تكن ترضى أبدًا أن يُسَلَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - لأعدائه، ومن ثمّ انطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - بتلك الحماية التي سخّرها الله له بسبب تلك الروح -روح القبيلة والعشيرة- انطلق داعيًا إلى ربه رغم أنف الكافرين.

وأخرى من حكمة كون المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ينتسب لأسرة كريمة النسب والعرق؛ أنّ هذا من باب سدّ الألسنة والأقاويل، حتى لا تنطلق تلك الألسنة الكافرة بالله وتلك القلوب التي ملأها الحقد عليه وعلى دعوته - صلى الله عليه وسلم - فتطعن في نسبه وتطعن في أصله، فهم لم يكونوا يستطيعون أن يَلِجوا هذا الباب لأنّهم هم بأنفسهم قبل غيرهم يُثبتون له طيب النسب وأصالة العنصر، كما مرّ معنا في قول أبي سفيان لهرقل، وكان أبو سفيان في وقتها زعيم قريش الذي يحمل لواء حرب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك لم يستطع أن يكتم هذه الحقيقة فقال:"هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ".

(1) صحيح مسلم (2543) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت