فالله -سبحانه وتعالى- من حكمته أن جعل أنبياءه ذوي نسب في قومهم حتى يقطع تلك الألسنة إذا أرادت أن تتعرض لعرضهم بالسلب النقص، وهذا الأمر إذا حدث فسيكون مدعاة لذوي القلوب الضعيفة، فيقولون لهم:"نبيكم ورسولكم فيه كذا وكذا وينتسب إلى أسرة من شأناها كذا وكذا"؛ فهذا الأمر قطعه الله على الكافرين، فلم يجدوا له سبيلًا.
أمر آخر من الحكم في كون الأنبياء ذوي أنساب في قومهم؛ حتى لا يتقوَّل مُتَقَوِّل وحتى لا يدَّعي مُدَعٍ وحتى لا يزعم زاعم أن تلك الدعوات التي جاء بها الأنبياء هي من أجل الظهور ومن أجل المكان الاجتماعية، فمن شأن الإنسان صاحب النسب الضعيف الذي لا يُؤبَه له عند قومه أن يتطلَّع إلى الشرف والمنصب فيدَّعي دعوات، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- لم يكن بحاجة إلى تلك الأمور، فكان قومه يشهدون له -كما قال أبو سفيان- أنه فيهم ذو نسب عريق.
كذلك من تلك الفوائد المستنبطة من كونه -عليه الصلاة والسلام- خيارًا من خيار من خيار وصفوة من صفوة من صفوة؛ فضل العرب، ونحن قلنا أن النبوة والرسالة كانت كلّها في بني إسرائيل إلّا رسالة النبي الخاتم، فحوّلها الله تعالى بمشيئته وبإرادته وبحكمته إلى العرب، الشق الثاني من أولاد إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، ففي هذا إشارة واضحة إلى فضل الجنس العربي.
فكما كانت النبوة قبله -عليه الصلاة السلام- في بني إسرائيل دليلًا على فضل بني إسرائيل كما قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [1] ، كذلك فضّل الله تعالى العرب على العالمين، وهذ صورة من صور الاستبدال، فيوم أن يستبدل الناس دينهم كذلك هم أنفسهم يُستبدلون، كما قال تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [2] ، فمجموع الأمة الإسلامية عُصموا أن يكونوا مثل بني إسرائيل، يحدث هذا في الأفراد والأعيان كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (لتَتَبِعُنَّ سَنَن من كان قبلكم، شبرًا شبرًا وذراعًا بذراع) [3] أمّا مجموع الأمة فقد عصمها الله تعالى أن تسلك مسلك بني إسرائيل.
فنقول أن هذه صورة من صور الاستبدال في الأمم، وكذلك هي سنة من سنن الله الجارية والمطبَّقة على الجماعات والأحزاب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه
(1) سورة الجاثية، الآية: 16.
(2) سورة محمد، الآية: 38.
(3) صحيح البخاري (2370) .