وهناك مسألة لا بد من التنبيه عليها، وهي مذاهب الباحثين الذين صنّفوا في السيرة النبويّة في العصر الحديث؛ الباحث فيما كُتِبَ في عصرنا الحاضر عن سيرته - صلى الله عليه وسلم - يجد أنّ هناك مدرستين؛ كلٌ منها أخطأت الطريق في الحديث عن سيرته - صلى الله عليه وسلم - على ما بينهما من فرق.
المدرسة الأولى عمدت إلى الأسلوب القصصي أو الأسلوب الأسطوري؛ والذي يجرّد السيرة النبويّة من أهمّ مميزاتها؛ أنها سيرة نبي رسول من البشر، وهذه الطريقة من الخُبث بمكان؛ حيث عَمِد أصحابها -وهم من المتّهمين- إلى إبراز وعرض السيرة النبويّة وكأنّها لم توضع إلا للتسلية وإلّا لقطع الوقت، كما عبّر أحدهم في مقدّمة كتابه (على هامش السيرة) وهو طه حسين، وقال أنّي ما كتبت هذا الكتاب إلا لتمضية الوقت وللتسلية عن الناس. أما كونها سيرة يُقتدى بها ويُقتفى بآثارها فالرجل عمد إلى غير ذلك.
وهؤلاء الناس أرادوا على التحقيق أن يفصلوا بين الناس وببين نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وأن يقطعوا ذلك الحبل حتى تنعدم في الناس روح التأسّي والاقتداء به - صلى الله عليه وسلم -، وأرادوا أن يجعلوه كالمسيح عند النصارى أو كبوذا عند أتباعه؛ قريب من منزلة الألوهيّة، حتى إذا أراد الإنسان أن يفكّر بالاقتداء به حالوا بنيه وبين ذلك، فأنت مهما حاولت أن تفعل لن تصل إلى مرتبته وإلى درجته، وهذه -كما قلنا- فكرة خبيثة تهدف إلى تجريد السيرة من أهم مضموناتها.
ولذلك كانت المبالغة في الحكايات والقصص والتخيّلات والأوهام، حتى أنّها صارت أسطورة من الأساطير، لا تفترق في كثير أو قليل عن الأساطير الرومانيّة أو الأساطير الإغريقيّة، وهكذا عبّر طه حسين في مقدمته عندما قال:"نحن لدينا ما لدى الإغريق ما لدى الرومان من الأساطير بل ربّما تضاهي أساطير اليونان والإغريق"، وهذا الذي أراده من كتابه في السيرة النبويّة، والحديث عن هذا الرجل يَطُول، وسيرد معنا بعضه عند الكلام عن بعض وقائع السيرة.
وعلى النقيض كانت هناك مدرسة أخرى، وهي التي جَنَحَت نحو النظرة الماديّة أو النظرة العقلانيّة؛ والتي تقتل في السيرة روحها، وتقطع بينها وبين السماء، والمدرسة (العصريّة) معروفة لديكم ولا تخفى عنكم، ومن أشهر هذه النماذج ما كتبه محمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد) - صلى الله عليه وسلم -، فأنكر المعجزات وأوَّل ما صحّ منها، وحكم على كثير مما صحّ إسناده بالضعف، رغم أنهم لا ينتهجون منهج التحقيق والتثبّت إلّا إذا وافق أهواءهم.