كذلك نهدف إلى التصوّر كيف كان المعصوم - صلى الله عليه وسلم - رحمةً مُهداة، هذه اللفظة يعرفها الجميع أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- بُعث رحمة للعالمين، ولكنّ الوقوف عند حقيقة هذا اللفظ يختلف بالفعل بين اثنين؛ بين رجل جاهل وبين رجل اطّلع على أحوال العالم قبل بعثته - صلى الله عليه وسلم - وعرف يقينًا تلك الحالة المزريّة والارتكاسة في الفِطَر والنفوس التي وصل إليها الناس قاطبةً إلّا بقايا من أهل الكتاب، ثمّ رأى التغيير الذي حدث في العالم بأسره في مدة زمنية وجيزة أقل من عمر إنسان، ففي أقل من خمسين سنة تغيّر وجه الأرض تمامًا، انتقل الناس من ظلمات كالحة بعضها فوق بعض إلى نور ساطع أضاء ما بين المشرقين.
كذلك نهدف من عرضنا لأحوال العالم قبل مبعثه - صلى الله عليه وسلم -؛ إلى أن نعرف مدى المسؤولية العظيمة الملقاة على أعقاب هذه الأمّة؛ الأمّة المحمّدية، مسؤولية تنوء بحملها الجبال الرواسي.
أولًا: الحالة الدينية قبل مبعثه - صلى الله عليه وسلم:
فنقول: كان الناس قبل البعثة النبوية يعيشون في جاهلية جهلاء، وضلالة صمّاء، ولم يبقَ من أثر النبوّة والأنبياء والرسل السابقين في أقوامهم الذين أُرسلوا إليهم؛ لم يبقَ من هذه الآثار إلا ما يضاهي الرؤيا الجميلة التي تعرض للمرء في منامه وفي غفوته الطويلة، أو كومضة طرف تأتي وتختفي في ظلام ليل حالك.
وكان أتباع كافّة الأنبياء والمرسلين آحادًا في الناس ينقرضون بعد جيل أو جيلين، وما أن انتصف القرن السادس الميلادي حتى كانت ستارة الجاهلية قد غطّت العالم بأسره من الشرق إلى الغرب، وحتى سقت الوثنيّة الناس كؤوسها، وحتى تلك الديانات التي قامت في الأصل على التوحيد لم تسلم من الوثنيّة ومن عبادة الأصنام على اختلاف أشكالها ومسمّياتها.
فَسَادَ الشرك والإلحاد حتى تلك الديانات التي قامت على التوحيد في أصلها، وعمّ الفساد كل وادٍ وناس، ولم يجد الحنيفيّون -وهم قلّة قليلة- إلّا رؤوس وقمم الجبال يفرّون إليها بدينهم خوفًا من البطش والتنكيل الذي كان يطارد الموحّدين.
وتفنّن الناس على اختلاف أجناسهم في صناعة الأصنام والأوثان والآلهة الباطلة المزعومة من دون الله.