الله على بني إسرائيل. ثم جلس فضُربت عنقه" [1] . فهم يعرفون أن وقتهم وأن نهايتهم قادمة لا ريب في ذلك، وإنّما دخل الشكّ كما قلنا بعض قلوب المسلمين؛ فهرول وسارع إلى ما يرضي أتباع اليهود."
هذا عن اليهود وعن بوادر النصر من صفوفهم، أمّا عن صنو اليهود، شطر التحالف الصيهوصليبي الصليبية؛ فنقول بدايةً: المسيحيّة كدين سقطت من أنظار العالم، بل سقطت من أنظار أتباعها أنفسهم، بل سقطت في أنظار أشدّ الناس تحمسًا للديانة المسيحيّة من القساوسة والأحبار والباباوات، وأصبح النظر إلى الديانة النصرانيّة على أنّها أداة يستخدمها الساسة في الغرب لتحقيق مصالحهم، أمّا كدين معتَبَر له عقيدة، وله شعائر، وله أهداف يسعى إلى تحقيقها، وله رغبة في ريادة البشريّة؛ كلّ هذه المعاني اختفت تمامًا عن الديانة المسيحيّة، وصارت ديانة سياسية؛ ما هي -كما قلنا- إلا أداة لتحقيق بعض المصالح وبعض أطماع الساسة في الغرب، سواء في ذلك أمريكا أو أوربا.
وكانت الفضيحة الكبرى في السبعينات، والتي نشرتها الصحف الغربية بنفسها ومن أشهرها وكالة (رويتر) ، هو الإفصاح أنّ بابا الفاتيكان (بولس السادس) كان عميلًا للمخابرات الأمريكيّة، وكان يتقاضى أمواله من تلك الهيئة المخَابراتيّة، وكانت هذه فضيحة عالميّة أظهرت ودلّلت على تلك النظريّة التي قال بها أول من قال رجال الفكر النصراني أنفسهم.
ومن قبيل الطُّرفة أنّ هذا الرجل -البابا بولس السادس- هو الذي أعطى لليهود صكّ التبرئة؛ فبرّأهم من دم المسيح، رغم أنّه من المعتقدات المسيحيّة الرئيسيّة أن المسيح قد قتله اليهود، هذا في معتقدهم ولكن {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [2] ، ورغم هذا يذهب هذا البابا -رأس الديانة المسيحيّة في العالم- في زيارة إلى إسرائيل سنة 1964 م ويعطي اليهود صكّ تبرئة من دم المسيح، ثمّ تتحدث الصحف الغربية بأنه كان عميلًا للمخابرات الأمريكية.
وقد عبّر عن هذه الحقيقة رجل من مشاهير رجال الديانة النصرانيّة، وهو بطران بيروت للروم الكاثوليك، وأنتم تعرفون ما لنصارى لبنان من ثقل في السياسة العالميّة وفي الديانة
(1) انظر: سيرة ابن هشام، ط: ـ السقا (2\ 241) .
(2) سورة النساء، الآية: 157.