فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 94

وأخذه المسلمون ليبيعوه في السوق، وهو كان قد خرج ليحكم الأرض بل قام ووزّع المناصب ووزّع البلاد ووزع العراق ووزّع بغداد، فوقع في الأسر ذليلًا صاغرًا.

فذهب به المسلمين ولم يجدوا أحدًا ليشتريه لكثرة الأسرى، كلهم زهدوا فيه، فلم يجدوا إلا رجلًا فقيرًا من فقراء المسلمين، فقالوا له هل تشتريه؟ فقال:"لهم ليس عندي شيء إلّا هذا الكلب، فإن وافقتم على أن تعطوه لي بهذا الكلب فلكم ذلك"، ونحن يا إخوة نضحك والواجب أن نبكي على أنفسنا، فوافقوا وباعوه له بالكلب، والكلب أغلى منه فهو نصراني كافر {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} . [1]

فاستبدله المسلم بكلبٍ، إلّا أنّ السلطان ألب أرسلان أعاده إليه مرة أخرى، وافتدى هذا الملك النصراني أرمانوس نفسه كما قال ابن كثير بمليون ونصف دينار، فهذه آية من آيات الله -سبحانه وتعالى- في التمكين لهذا الدين وفي نصر أهله وأتباعه، وفي ردّ الهجمات مهما بلغت في قوتها وفي شراستها.

الهجمة التتريّة:

هجمة أخيرة بلغت من القوة حدًا فظيعًا مُذهلًا؛ ألا وهي الهجمة التتريّة، مع الفرق بين الموقفين في حفظ المسلمين، ففي المعركة السابقة التي عُرفت بمعركة (ملاذكرد) بقيادة السلطان ألب أرسلان رأينا كيف أن المسلمين قاموا بواجبهم، ورأوا أنه ليس أمامهم إلا الموت أو النصر، أمّا في الهجمة التتريّة المغوليّة فالأمر محزن والغُمّة كبيرة.

المغول خرجوا لا يُولّون على شيء؛ يستبيحون كل شيء أمامهم، يقتلعون كل شيء وكل حصن الأخضر واليابس، حتى انتهوا إلى عاصمة الخلافة الإسلامية بغداد، وكانت المأساة المهولة المفزعة، ننقل لكم تصوير المؤرّخ الإسلامي الشهير الثقة ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ) ، وهو ممن عاصروا هذه المحنة، يقول ابن الأثير -رحمه الله-:

"لقد بقيت عدة سنين مُعرضًا عن ذِكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فأنا أُقدّم إليه رجلًا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني متُّ قبل حدوثها وكنتُ نسيًا منسيًا، إلا"

(1) سورة الفرقان، الآية: 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت