فإذا لم يأخذها بنيّة صادقة ورغبة فيها، فليأخذها اضطرارًا.
أعدّ السلطان وجهّز جيشه وخرج للقاء هذا الجيش العرمرم، وكما أوصاه الفقيه أبو نصر عمل؛ حيث أوصاه أن يخرج إليهم يوم الجمعة وأن لا ينابذهم إلا وقت الصلاة حتى تصيبهم دعوة المسلمين في العالم الإسلامي، وبالفعل وقبل الموعد المحدّد دخل السلطان إلى خيمته فاغتسل وتحنّط وتكفّن، فهو موت لا رجوع بعده ولم ينظر إلى خلفه أبدًا؛ لا للمال ولا للمنصب ولا للأولاد ولا للنساء ولا للدراسة ولا للدكتوراة ولا للماجستير ولا للشهادات، لم ينظر إلى هذه الأمور بل اغتسل وتحنّط وتكفّن، وفعل كلّ جيشه مثله، 20 ألفًا خرجوا إلى مواجهة النصارى بأكفانهم، فهي أكفانٌ متحركة، ولك أن تتخيل هذا الموقف 20 ألف كفن أبيض في مواجهة الصليب بجحافله وبجيوشه الجرّارة.
وأظن -والله أعلم- أنّ هذا لم يحدث في التاريخ الإسلامي إلّا في هذه الواقعة، ولم يبدأ القتال إلا في وقت الصلاة، وقبل أن تبدأ المعركة يقول ابن كثير:"فلمَّا كان ذلك الوقت وتواقف الفريقان وتواجه الفتيان، نزل السلطان عن فرسه وسجد لله عز وجل، وَمَرَّغَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ وَدَعَا اللَّهَ وَاسْتَنْصَرَهُ، فأنزل نصره على المسلمين، ومنحهم أكتافهم فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وأُسر ملكهم أرمانوس"اهـ. [1]
ولم تكد المعركة تبدأ حتى انتهت، انظروا إلى الصدق ماذا يفعل!، ونحن في وادٍ وهذه النماذج في واد، العيب والخلل ليس في قوة أعدائنا وتجبّرهم وفي عددهم وعدّتهم بل الخلل فينا نحن، نحن لم نخلص مع الله تعالى، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [2] ، والآية واضحة لا تحتمل أي تأويل.
فلم تكد تبدأ المعركة حتى انتهت في دقائق معدودات، العقل البشري لا يستطيع أن يفهم ماذا حدث!، فكما قلنا 7 ملايين على الأقل في مواجهة 20 ألفًا، فمنحهم الله -عزّ وجل- أكتافهم، فهام الروم مولِّين الأدبار على غير شيء، لا يعرفون أين يذهبون، والمسلمون يعملون تقتيلًا وتشريدًا وأسرًا كيفما يشاؤون، ولك أن تتخيل هذا المنظر 7 ملايين يفرّون من 20 ألف، منحهم الله أكتافهم في بضع دقائق.
وهذا الملك المتجبر المتغطرس وقع في الأسر ذليلًا صاغرًا، واقتاده المسلمون إلى الملك الصالح السلطان ألب أرسلان، فضربه وقرّعه بثلاث عصيات كما يضرب الأستاذ تلميذه،
(1) (البداية والنهاية) لابن كثير، ط: إحياء التراث (12\ 123) .
(2) سورة محمد، الآية: 7.