فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 94

اليوم سنتكلم قبل الشروع في أحداث السيرة النبويّة الشريفة عن حالة العرب قبل الإسلام، ولعلها تكون آخر مقدمة من ضمن تلك المقدمات التي سبقت، وكما هدفنا من استعراضنا لحالة العالم بصفة عامّة قبل الإسلام كذلك نهدف في استعراضنا لحالة العرب بصفة خاصّة قبل الإسلام؛ نهدف إلى معرفة حقيقة هذا الدين الذي غيّر هذه النفسيّة الجاهليّة، وغيّر هذه الأحوال التي سنستعرض البعض منها استعراضًا سريعًا، غيّرها بلمح البصر بالنسبة إلى المقاييس الزمانيّة، فكان أحدهم يخرج من جاهلية جهلاء وضلالة عمياء وينقلب مباشرة إلى هذا الدين الساطع، إلى قمة الإسلام، إلى التمسّك بالعروة الوثقى حقًا وصدقًا.

ولكم أن تقارنوا بين حالهم وبين حالنا نحن الذين نشأنا وترعرعنا في الإسلام كما ندّعي، ولكم أن تقارنوا بين تلك النقلة النوعية التي انتقلوا إليها وبين ما نعيشه نحن الآن؛ مازلنا نتلمس الخُطوات الأولى للتمسك بهذا الدين، رغم أنّنا ندعي أننا مسلمون أبًا عن جد إلى آخر هذه السلسلة الطويلة.

الحالة السياسية للعرب قبل الإسلام:

نقول كان العرب يعيشون في جزيرتهم العربية متفرّقين لا يجمع بينهم رابط، وليس بينهم لغة مشتركة إلا لغة القوة، فالقوي هو الذي كان يفرض كلمته ومن ثمّ يفرض سيطرته ومن ثمّ تصوراته ومعتقداته، وكانت الحروب تقع بينهم لأتفه الأسباب، فهم لا يتعلّقون بالآخرة ولا يعرفون بعثًا ولا نشورًا، فحرب البسوس المشهورة من أيام الجاهليّة الأولى التي وقعت بين قبيلتين من أكبر القبائل العربيّة -بكر وتغلب- كان سببها ناقة، ومن أجل تلك الناقة قامت تلك الحرب الطاحنة التي استمرت 40 عامًا. الحرب الثانية حرب داحس والغبراء وقامت من أجل فَرَس، ومن أجل هذا الفرس قامت حرب طاحنة ترتبت عليها آثار جسيمة في الأموال والنفوس بل وفي الأعراض حيث كان المنتصر يستبيح أعراض المنهزم.

وكان الحُكم في الجزيرة العربية يقوم على النظام القبلي، فأفراد القبيلة هم الذين يحكمون ويأمرون وينهون، ومن طبائع الحكم القبلي -حتى الآن- أنهم يثأرون ويمتشطون أسلحتهم مع أقل هيعة وفزعة دفاعًا لا عن شيء إلا عن النخوة القبليّة، فإذا جاءهم أحدهم منتصرًا بهم هبّوا لنجدته سواءً كان ظالمًا أو مظلومًا، كما قال قائلهم:

لا يسألون أخاهُم حين يندُبُهم ... في النائبات على ما قال برهانا

فبدون أي برهان وأيّ تبيّن يقومون بنصرته والقتال معه، فهم يطبقون مبدأ:"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"ولكن بمعناه الخاطئ، دفاعًا عن شرف القبيلة كما يقولون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت