فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 94

فكان الأصل في نظام الحكم في الجزيرة العربية أنه نظام قبلي أو ما يعرف بنظام المَشْيَخَات، ولكن كان هناك بعض الممالك القليلة، والتي كانت تنحصر في اليمن والشام وفي الحيرة، هذه المناطق الثلاث هي التي عرفت نظام الممالك، فكان نظام الحكم فيها نظامًا مرتّبًا نوعًا ما؛ يتربّع على رأس هذا النظام ملك، إلّا أنّ هذا الملك لم يكن صاحب الكلمة والآمر الناهي والسيد المطاع حقًا، وإنّما كان هذا الملك العربي يُدِيرُ الحكم في بلاده وعلى شعبه نيابةً عن السيد الفارسي أو الرومي، ونفس الأمر يحدث الآن في بلادنا.

فاليمن والحيرة كانتا تخضعان للفرس، فكسرى هو الذي يُملي أوامره ونواهيه وما على هؤلاء إلا أن يقوموا بتطبيقها وتنفيذها، وكذلك الشام كانت خاضعة لسيطرة الروم، فكان قيصر هو الذي يملي تصوراته وسياساته على الشام؛ ويقوم الملك العربي بالتنفيذ، والذي كان كما قال أحدهم:"كالطائر في قفص من ذهب"، فصحيح أنه قائد وملك إلا أنه في داخل فقص وإن كان هذا القفص من ذهب، المهم أنه مأسور وأنه مأمور وعبد يخضع للسيد الكبير الآمر الناهي؛ سواءً الفارسي أو الرومي، نفس الصورة التي نراها اليوم.

بل إنّ أشهر ملوك العرب في تلك الفترة وهو النعمان بن منذر رأس المناذرة، والذي له صيتٌ وصولة في الجزيرة العربية، وله أيام مشهورة، هذا الملك المشهور يصل به الحال إلى أن يقف ذليلًا خاضعًا مُنكسًا رأسه أمام باب كسرى، ينتظر ما يفعل به كسرى، وكانت النتيجة أن أخذه كسرى ورماه في سجنه حتى مات.

كانت تلك الممالك في العراق الشام تتنازعها الفرس والروم، فكانت العراق للفرس وكانت الشام للروم، وكانت الحرب تدور بين الرأسين، بين فارس والروم، وكان العرب يحاربون بالنيابة، نفس الصورة التي كانت في ظلّ الحرب الباردة بين أمريكان وروسيا؛ فالحرب الباردة بين الرأسين وبين العملاقين ولكن هذه الحرب كانت تدور بصورة أكثر شراسة على الأرضي العربية، كما يسمّونها الحرب بالوكالة، فهذا نظام اشتراكي وهذا نظام رأسمالي؛ كلاهما يتحاربان لصالح أمريكا وروسيا.

فنفس الصورة كانت تتمُّ في الجزيرة العربية قبل مبعثه - صلى الله عليه وسلم -، فكان أهل الحيرة أو المناذرة يحاربون نيابة عن الفرس، وكان أهل الشام أو الغساسنة يقاتلون نيابة عن الروم.

في أحد تلك المرات أمر كسرى النعمان بن منذر بجملة من الأوامر، لم يستطع أن يقوم بتنفيذها، واعتذر لسيده وولي نعمته عن القيام بتلك الأوامر والخضوع لها، فما كان من كسرى إلّا أن غضب عليه غضبًا جمًا، ويذكر القصّة ابن الأثير في (الكامل في التاريخ) ، فاضطر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت