فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 94

النعمان نتيجة لهذا الغضب من كسرى أن يطوف بسائر القبائل العربية يطلب منهم النجدة والمنعة، ويطلب منهم أن يعصموه من غضب كسرى، وكلّ تلك القبائل التي تنتفض غضبًا إذا مُسّت كرامتها تعجز أن تقدِّم له يد المساعدة، وكلّها تتبرأ منه، وترى أنه كالجمل الأجرب الذي سيسبّب لها البلاء والمرض بسبب غضب السيّد الفارسي.

وبالفعل لا يجد منهم العصمة والمنعة، فيضطر أن يُودِع أهله وماله لدى أحد شيوخ القبائل العربية وهو هَانئ بن مسعود الشيباني، ثم يتوجّه وحده طائعًا مختارًا ليتلقّى مصيره عند كسرى، فيقف عند باب كسرى ذليلًا مطأطئ رأسه ينتظر ماذا سيفعل له ذلك الطاغوت الفارسي، فما كان من الطاغوت الفارسي إلا أن أخذه ووضعه في السجن، وتركه في السجن مُهملًا حتى مات، والعبرة لمن يعتبر، وكل لبيبٍ بالإشارة يفهم، كما يحدث اليوم عندما تتغيّر نظرة أمريكا لبعض الأنظمة تقوم باستبدالها بنعل جديد، هو نعل ولكنه جديد يناسب المرحلة الجديدة، ولا تحتفظ للنعل القديم بأدنى اعتبار، فكلها نعال تتغير حسب المصالح.

فنفس الصورة ولكنها اليوم مع أمريكا وروسيا وبالأمس كانت مع فارس والروم، ولم يكن يوم ذي قار في تاريخ العرب إلا طفرة؛ استطاعوا فيها أن يقفوا أمام الفرس وأن يُنزلوا بالفرس هزيمة كبيرة، ولكنه كان في جملة هذا التاريخ شيء لا يذكر، ففي الأصل أنهم كانوا يخضعون إمّا للفرس وإمّا للروم، حتى خيرات البلاد وحتى الموارد الأصليّة والمقوّمات الاقتصادية كانت تُستخدم لصالح الفرس أو لصالح الروم.

هذا عن حالة تلك الممالك العربية في اليمن وفي العراق وفي الشام، أما سائر الجزيرة العربية فلم تعرف هذا النظام، وإنّما كما قلنا كانت تعرف نظامًا أشبه ما يكون بنظام المشيخة أو النظام القبلي والذي له بقايا موجودة حتى الآن، وكان من أشهر تلك المناطق: مكّة ويثرب والطائف، ونريد أن نُدلّل على شيء وهو كيف انقلبت هذه الذلة وهذا الصغار إلى سيادة العالم بأسره، في بضع سنوات معدودات.

نفس هؤلاء الأفراد الذي أدركوا شطرًا كبيرًا من الجاهلية بعد فترة قصيرة من عمر الزمن صاروا أسيادًا للعالم، وصار الجندي الفارسي والرومي إذا سمع صيحة (الله أكبر) يكاد أن يسقط مغشيًا عليه، ذلك الجندي البطل الذي كان من قبل لا يُجارى، اسمع لتلك المقولة التي قالها يزدجرد آخر ملوك الفرس لرسول سعد بن وقاص -رضي الله عنهما- عندما ذهب له ليخاطبه، وذكرها ابن كثير في البداية والنهاية، وهذه المقولة تُلخّص حالة العرب السياسية في تلك الفترة، وكيف أنهم كانوا في منتهى الذل والصغار، والشاهد منها أنه يصوّر لنا حالة العرب قبل مبعثه - صلى الله عليه وسلم - وقبل دخولهم في الإسلام، يقول يزدجرد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت