"إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددًا ولا أسوأ ذاتَ بَيْنٍ منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفوناكم، لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان عددكم كثر فلا يغرَّنكم منا، وإن كان الجَهْد دعاكم فرضنا لكم قُوْتًا إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملَّكنا عليكم ملكًا يرفق بكم."اهـ. [1]
فالفرس تعجبوا من هذه النقلة العجيبة، وكيف كان هؤلاء الحفاة العراة العالة منذ بضعة أيام يتسوّلون منهم ما يقتاتون به حياتهم، ثم انقلبوا في بضعة أيام إلى حكام وقادة وسادة يريدوا أن يخضعوا فارس والروم إلى سيادتهم، فهي مسألة لا يتحملها العقل.
قال بعض كتاب السير: كانت حالة العرب من السوء والانحطاط للدرجة التي جعلت فارس والروم لا يفكرون في احتلالها، منتهى الذل والصغار كان يعيشه العرب قبل دخولهم في الإسلام، وهذه المسألة نقف عندها؛ وهي أنّ العربيّ مهما كان أميرًا أو ملكًا أو سلطانًا إذا تخلّا عن إسلامه فهو ونعله سواء، لا تجد بينهم أي فرق يذكر، كما قال الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-:"?نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة بغيره، أذلنا الله" [2] ، كما نرى اليوم بصورة واضحة.
كذلك مما يصوّر لنا حالة العرب تلك المقولة التي سطّرها لنا وحفظها التاريخ؛ مقولة جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- عندما أرسلت قريش في إِثر هؤلاء الذين فرّوا بدينهم إلى الحبشة، قال جعفر كما ذكر ابن هشام في سيرته مخاطبًا النجاشي:"أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف"اهـ [3]
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر؛ فانظر وصف يزدجرد الملك الفارسي لحال العرب قبل الإسلام في زمن الجاهليّة، وانظر لردّ ربعيّ بن عامر -رضي الله عنه- على رستم في زمن الإسلام، وقارن بين الحالين، وانظر لتلك العزة وتلك القوة وذلك الاستعلاء الذي كان يتكلم به ربعيّ بن عامر، كلام اليوم كالخيال ولكنّه إن شاء الله سيتكرر.
(1) (البداية والنهاية) لابن كثير، ط: هجر (9\ 626) .
(2) أخرج الحاكم في مستدركه (207) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله:"إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله"صححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(3) سيرة ابن هشام، ت: السقا (1\ 336) .