فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 94

أمّا عن الحالة الاجتماعية والخُلُقيَّة للعرب في زمن الجاهليّة قبل الإسلام، فهي جملة مختصرة، كانوا في منتهى الانحطاط الخُلقي والاجتماعي الذي يمكن أن يصل إليه البشر، رغم أنّهم كانت لديهم بعض الصفات الحميدة التي مَيَّزتهم -رغم ما هم فيه من فاقة- عن الفرس والروم.

فشرب الخمر لم يكن من الأشياء المنتشرة فحسب بل كان من الأشياء التي يُفْتَخَر بها في المجالس، بل كان يعتبر من مقاييس ومعايير الرجولة عندهم، وكانوا لا يفارقونها لا صباحًا ولا مساءً، ولا في الغدو ولا في الرواح، ولا في إقامة ولا في سفر.

والزنا كان متفشيًا بينهم إلى درجة غير عادية، لا يسلم منه إلا القليل الذي وصلت به عزّة النفس إلى الترفّع عن هذه المسألة، رغم أنّ المجتمع لم يكن يرى أنها فاحشة أو أنّ فيها أي غضاضة، يشهد لهذ الأمر ذلك الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنهم-. والشاهد من هذا الحديث أن نرى مدى الانحطاط الخُلُقي الذي تترفَّع عنه الفِطَر العادية فضلًا عن الإيمان، ورغم ذلك كانت موجودة في ذلك المجتمع الجاهلي، وكانت منتشرة بينهم، بل لم يكونوا ينكرونها، بل لم يكونوا يرون فيها أي غضاضة وكانوا يمارسونها بصورة طبيعية. الشاهد أنّنا نريد أن نبين كيف استطاع الإسلام في أيام يسيرة أن يغيّر هذه النفوس؛ كان أحدهم يسلم اليوم وغدًا تراه شخصًا جديدًا تمامًا كأنه نزل من السماء، وهو الذي كان بالأمس يعيش في تلك الجاهليّة بل ينغمس فيها حتى أذنيه، وهذا مؤشر على حقيقة هذا الدين الذي ضيَّعناه، وإن كنا ننتسب إليه انتسابًا اسميًا، رغم أن المنهج هو نفس المنهج والقرآن هو نفس القرآن ولكن النفوس تختل والتصرفات تختلف والالتزام يختلف والمواقف تختلف.

تقول عائشة -رضي الله عنها-:"أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليَّته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهُرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع .." [1] .

وأي نفسية مهما بلغت من الانحراف والدناءة لا ترضى هذا الأمر، ورغم ذلك كان هذا الأمر منتشرًا في جاهلية قريش قبل الإسلام!، ونحن نبيّن عمق الجاهليّة حتى نُبيّن عظمة

(1) صحيح البخاري (5127) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت