الإسلام في تحويل وفي صياغة هذه النفوس، وكيف انقلب أصحاب الجاهلية النتنة وأصحاب الأمور التي تنفر منها الفطر السليمة،؛ كيف انقلب هؤلاء -بين عشية وضحاها- إلى أسياد العالم، وكيف حصلت هذه المعجزة، كما قال أحدهم:
أتطلبون من المختار معجزة ... يكفيه شعبٌ من الأموات أحياهُ
بالفعل كانوا أمواتًا لا يميّزون بين حق وباطل، ولا يُميّزون بين صنم لا ينفع ولا يضر وبين ربّ العالمين، ولا يميّزون بين أمور تأنف منها الفطرة البشرية، وهذه الصفة وهذ النفس هي التي صارت في بضع سنوات سادة وقادة ورائدة للعالم بأسره، فهي بالفعل معجزة، بل هي -كما قال الشيخ السباعي- من أدلّ الأدلّة على صدق نبوته - صلى الله عليه وسلم -؛ صياغته لتلك النفوس وإخراجه بأمره الله وتقديره لذلك الجيل الفريد الذي لا يأتي مثله، رغم ما كان فيه هذا الجيل من جاهليّة.
فكان الزوج يرسل زوجته لتستبضع من رجل آخر، وهو أمر تأنف منه الفطر العادية وتشمئز منه، فيعتزلها زوجها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل، ويفعل ذلك ويرسلها لرجل من سادة قريش حتى يكون الابن من النجباء والأذكياء والعظماء، وهذا الابن ليس ابنه!، فهو يتخذ شيئًا ليس له، فضلًا عن ما في ذلك من الدياثة والذلة والمهانة والعياذ بالله. وكل أصحاب فعل لديهم تأويل!
تقول عائشة -رضي الله عنها-:"ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل. ونكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتحق به، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك".
والقافة هو النَّظر في الشَّبه فيُنظر أشبه الرجال بالولد، وهو كان فنًا معروفًا عند العرب، وهذه الأمور كلها كانت تدور في الجاهلية بدون نكير، وكانت تُمارَس على الملأ بصور طبيعيّة، فانظر إلى قمة الجاهلية، جاهلية ما بعدها جاهلية، أمور تأنف منها الفطر السويّة فضلًا عن الإيمان، هذه النفوس وهذه الجاهليّة هي التي بعد أن دخلت الإسلام صارت كالشمس في