فعلى سبيل المثال أوّلوا الطير الأبابيل -كما هو منقول عن الأفغاني وعن تلميذه محمّد عبده- بداء الجدري، وكذلك أوّلوا معجزة الإسراء والمعراج تلك المعجزة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ أوّلوها بسياحة العقل والرُؤى والمنامات، كذلك أوّلوا الملائكة التي أُنزلت -كما هو ثابت- تثبيتًا للمؤمنين يوم بدر؛ أوّلوها بالدعم المعنوي، إلى غير ذلك من الترّهات التي تدور حول تجريد السيرة من روحها والقطع بينها وبين أسباب السماء.
وإن شاء الله ستأتي معنا نماذج كثيرة عن كلا المدرستين. كذلك كان هناك اتّجاه آخر أو منهج آخر وقع فيه البعض؛ وهو عرض سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- بدون النظر إلى كونه نبيًا مرسلًا، فعُرضت سيرته -عليه الصلاة والسلام- على أنّها سيرة زعيم وطني، أو سيرة اشتراكي ثوري كما قال أحدهم وكتب (محمد محرّر العبيد) ، أو سيرة مصلح اجتماعي، وكل هذه الأوصاف هي حقّ إلّا أنها ليست الوصف الصحيح الذي يجب أن يَتَعَامل البشر من خلاله مع النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وهو أنّه نبيّ مرسل.
أراد هؤلاء القوم ومعظمهم من اليساريّين الذي يتمسّحون بالإسلام إذا خدم مصالحهم؛ أرادوا أن يجرّدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نبوّته، فالقوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا برسوله - صلى الله عليه وسلم -.
إذًا الخالص الوحيد والصحيح الذي يجب أن تُعرض من خلاله سيرته - صلى الله عليه وسلم - هو أنّه نبيّ مرسل، مع التفكّر في أنّه كذلك بشر.
اليوم إن شاء الله تعالى نتكلم عن العالم قبل بعثته - صلى الله عليه وسلم -، ونهدف من هذه التوطئة إلى التَّيقُن بصدق نبوته - صلى الله عليه وسلم -، ونحن -إن شاء الله- على يقين ولكن ليزداد المؤمنون إيمانًا، كما ذكر ذلك الشيخ مصطفى السباعي في مقدمة كتابه عن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام في الصفحة عشرين.
فالناظر في واقع العالم قبل مبعثه - صلى الله عليه وسلم - والحالة المزرية التي كان عليه الناس كافّة؛ يتيقن حقًا وصدقًا أنه نبي مرسل من عند ربّه، فهذا التأييد لا يتأتّى إلا لنبي مرسل مؤيّد من السماء، فهو علم من أعلام نبوته.