الهجمة الثانية لم تقل خطورة عن الهجمة الأولى، وإن كانت الفترة بينهما بعيدة نسيبًا، وهذه الهجمة ربّما تكون غير مشهورة لدى الكثير من الناس، كانت في زمن الدولة السلجوقيّة، تحديدًا سنة 462 هـ.
كان هناك ملك نصراني يدعى (أرمانوس) ، كان يحكم الرومان في تلك الفترة، وهذا الرجل كان يمتلئ حقدًا وحسدًا وغيظًا على الإسلام والسلمين، وكان يسعى بكلّ ما استطاع لهزيمة الإسلام والمسلمين، ونذكر لكم ما كتبه ابن كثير عن هذا الواقعة، ونحن كما قلنا نبرهن على أنّ الهجمات التي يتعرض لها الإسلام رغم شراستها كانت العاقبة فيها للإسلام والمسلمين لأنّ هذا الدين محفوظ بحفظ الله له، يقول ابن كثير في (البداية والنهاية) :
"ثم دخلت سنة 463 وفيها أقبل ملك الروم أرمانوس في جحافل أمثال الجبال من الروم والكرج والفرنج، وعَدَد عظيم وعُدَد، ومعه خمسة وثلاثون ألفًا من البطارقة، مع كل بطريق مائتا ألف فارس، ومعه من الفرنج خمسة وثلاثون ألفا، ومن الغزاة الذين يسكنون القسطنطينية خمسة عشر ألفا، ومعه مائة ألف نقَّاب وحفَّار، وألف روزجاري، ومعه أربعمائة عجلة تحمل النعال والمسامير، وألفا عجلة تحمل السلاح والسروج والغرادات والمناجيق، منها منجنيق عدة ألف ومائتا رجل. ومن عزمه -قبَّحهُ الله- أن يبيد الإسلام وأهله، وقد أقطع بطارقته البلاد حتى بغداد، واستوصى نائبها بالخليفة خيرًا، فقال له: ارفق بذلك الشيخ فإنه صاحبنا، ثم إذا استوثقت ممالك العراق وخراسان لهم مالوا على الشام وأهله ميلة واحدة، فاستعادوه من أيدي المسلمين، والقدر يقول: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [سورة الحجر: 72] "اهـ. [1]
واحسبوا عدد جيش الروم كما ذكره ابن كثير، وأنا حسبته فخرج معي عدد خيالي جدًا، يقول ابن كثير:"35 أَلْفًا مِنَ الْبَطَارِقَةِ، مَعَ كل بطريق 200 ألف فَارِسٍ"، يعني 7 آلاف مليون، لو قلنا أن هذا العدد مبالغ فيه ألف ضعف يصبح عدد الجيش 7 مليون!! وهذا غير الزيادات الأخرى التي ذكرها ابن كثير.
ولننظر إلى حال المسلمين في ذلك الوقت؛ كان ملك العراق وخراسان في تلك الفترة السلطان السلجوقي السنيّ الصالح ألب أرسلان، كان كلّ ما استطاع أن يجمعه للتصدّي لهذه الحملة الصليبيّة المتكوّنة من هذا العدد المهول، الذي قدّرناه بسبعة ملايين؛ كان كل ما استطاع أن يجمعه هذا السلطان 20 ألفًا، يعني كان نقطة في بحر أمام ذلك الجيش الضخم، وهذا إذا
(1) البداية والنهاية لابن كثير، ط: إحياء التراث (12\ 123) .