وتجبّر وتكبّر في الأرض فإنّه دائمًا ومباشرةً يعقبُ هذا العلو الفناء والدمار عقابًا لهم على تجبرهم وعلى طغيانهم وعلى إفسادهم في الأرض.
يقول سيد قطب -رحمه الله- في تفسيره (في ظلال القرآن) :"ولقد عادوا اليوم إلى الإفساد في صورة «إسرائيل» التي أذاقت العرب أصحاب الأرض الويلات. وليُسلِّطنَّ اللهُ عليهم من يسومهم سوء العذاب، تصديقًا لوعد الله القاطع، وفاقًا لسنته التي لا تتخلف .. وإن غدًا لناظره قريب!"اهـ. [1]
وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المتفق عليه لا يخفى عليكم، والذي فيه قوله - صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود) . [2]
وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - أفصح من نطق بالضاد: (فيقتلهم المسلمون) ولم يقل"فيقاتلهم المسلمون"، لأن المقاتلة مفاعلة من القتال، ولكن الذي ينتظر اليهود هو القتل والتشريد والتدمير والتنكيل. وفي الحديث أنّ الحجر والشجر ينادي: (يا مسلم يا عبد الله) ، وتحقيق الإسلام يكون بالاستسلام والانقياد لله تعالى في كل أمر وفي كل نهي فيما تحب وفيما تكره. والعبودية تدور حول أجنحة ثلاث؛ الخوف والرجاء والمحبّة، والمحبّة لا تتحقّق إلا بمحبة ما يحبه الله ورسوله وبغض ما يبغضه الله ورسوله، أي تحقيق الموالاة والمعاداة.
من الطريف ومن المضحكات أنّ اليهود يزرعون فلسطين الآن بالغرقد، فهم يعرفون أنّ الوقت آتٍ، أمّا المسلمون فبعضهم يدخلهم الدخن والدغل، فيقول لك:"نعم نعم ولكن .."ويستغرب ويشك في وعد الله، أو يشكوا من الواقع الأليم، ونحن نعرف أنّ الواقع أليم وأنّنا في زمن الاستضعاف ولكن المؤمن ينظر للعبرة وينظر للمآل ويرتقب وعد الله -سبحانه وتعالى-، فالآن اليهود يملأون أرض فلسطين بالغرقد جبنًا وهلعًا ويقينًا منهم بأنّ موعده قادم.
وسنأتي إلى واقعة عجيبة في السيرة، وهي قول حُييّ بن أخطب عندما أمرَ به النبي -عليه الصلاة والسلام- لتُضرب عنقه؛ فقال:"أما والله ما لمتُ نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يُخذَل"، ثم أقبل على الناس فقال:"أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها"
(1) في ظلال القرآن طـ دار الشروق"السابعة عشر" (4\ 2214) .
(2) صحيح مسلم (2922) .