فمن هنا تأتي البشارة؛ أنّ هذا التيار يصرُّ على إسرائيل الكبرى ويظهر الحقد والعداوة للمسلمين بصورة واضحة، مما يُرجّح خيار الحرب، ويجعل الحرب هي الخيار الوحيد لحل القضية الفلسطينية، وهوما قرّره قادة هذا التيار، فقادة هذا التيار في اجتماعاتهم وفي احتفالاتهم يصرُّون أنه ليس هناك حل لتلك القضية بيننا وبين المسلمين إلا السيف، هم يقولون هذا بينما نحن نقول بل هناك أمر آخر وهو الحوار والمفاوضات وإلى آخر هذه الأمور التي أتقنها العرب!
ولذلك كانت هناك مسألة عجيبة جدًا لمن تدبرها ولمن يرقب المشهد؛ وهي أن كبار الأحبار والحاخامات اليهود كانوا يرفضون تلك الهجرة الجماعية لليهود من جميع أنحاء العالم إلى إسرائيل، وكانوا يرفضونها من منطلق ديني، فهم يعرفون -وفقًا لما هو مذكور في التوراة حتى اليوم- أنّه ما أن يجتمع اليهود في أرض الميعاد -في فلسطين- إلّا وسيعقب هذا الاجتماع فناؤهم ودمارهم.
وهذه مسألة صحيحة، فالناظر لتاريخ اليهود يرى أنه لم يجتمع اليهود في أرض الميعاد إلا وأعقب ذلك تدميرهم؛ كما حدث من (بخت نصر) ، وكما حدث بعد ذلك من (تيطس) الروماني، لذلك صرّح كبار رجال الفكر اليهودي برفضهم الشديد لهذه الهجرة الجماعيّة، ووقفوا أمام القيادة السياسية موقفًا شديدًا إلا أنّ القيادة السياسية استطاعت بقوتها أن تفرض رأيها. فهذا الأمر أيضًا بشارة لنا.
وسبحان الله، هذه المسألة -ظهور التيار المتنامي والهجرة الجماعية لليهود من جميع أنحاء العالم من الشتات إلى فلسطين- كلّها تأتي مصداقًا لقوله تعالى في سورة الإسراء: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [1] .
مجمل تلك الآيات الكريمات يدلّ أنّه كلّما علا اليهود في الأرض فسادًا وطغينًا وتجبرًا وتكبرًا كلّما عاقبهم الله بالذلّ والفناء والدمار، إلّا أن يتوبوا ويحسنوا فيحسن الله إليهم، يقول تعالى: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} ، فهي سنة ربّانيّة كتبها الله على هذا الجنس؛ أنه كلّما علا وطغى
(1) سورة الإسراء، الآية: 4 - 8.