الشيوعيّة، وقال أن مصير العالم وخاصّة الحضارة الغربية وخاصّة أمريكا مصيرٌ أشدّ ما يكون تمزقًا وتفكّكًا وانهيارًا واندحارًا، وتنبَّأَ أن أمريكا خاصة والغرب بصورة عامة على حافّة الانهيار والانحدار.
ونحن من عندنا نقول أن هذه مسألة متوقَّعة بل هي التدرج الطبيعي لسنة الله في الأمم والملوك، فما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، وإذا تمَّ شيءٌ فانتظر نقصانه، وكما قال أبو البقاء الرندي في مرثيته الرائقة:
لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ ... فَلا يُغَرَّ بِطِيبِ الْعَيْشِ إِنسانُ ...
هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدْتَهَا دُوَلٌ ... مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءَتْهُ أَزْمَانُ ...
وَهَذِهِ الدَّارُ لَا تُبْقِي عَلَى أَحَدٍ ... وَلا يَدُومُ عَلَى حَالٍ لَهَا شَانُ ...
أَيْنَ المُلُوكُ ذَوُو التِّيجَانِ مِنْ يَمَنٍ ... وَأَيْنَ مِنْهُمْ أَكَالِيلٌ وَتِيجَانُ ...
وَأَيْنَ مَا شَادَهُ شَدّادُ فِي إِرَمٍ ... وَأينَ مَا سَاسَهُ فِي الفُرْسِ سَاسَانُ ...
وَأَيْنَ مَا حَازَهُ قَارُونُ مِنْ ذَهَبٍ ... وَأَيْنَ عَادٌ وَشَدَّادٌ وَقَحْطَانُ ...
أَتَى عَلَى الْكُلِّ أَمرٌ لا مَرَدَّ لَهُ ... حَتَّى قَضَوْا فَكَأنّ الْقَوْمَ مَا كَانُوا ...
وصار ما كان من ملك ومن ملك ... كما حكى عن خيار الطيف وسنان
فهذه المسألة هي التدرج الطبيعي لسنة الله في الأمم والملوك، أنه ما أن ترتفع أمّة أو مملكة إلا ويعقب علوَّها وارتفاها انخفاضها، وهي سنة من طبائع البشر ومن طبائع الأمم ومن طبائع الدول، فأنت ترى الإنسان يبدأ طفلًا ثم يشبُّ فيصبح صبيًا ثم يتطور فيصبح شابًا، ثم بعد ذلك يبدأ خط الانحدار والانهيار كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [1] .
وكذلك الممالك والأمم، فنفس هذا الخط البياني الذي يعتري الإنسان يعتري الممالك والأمم، وهذا الأمر شاهدناه حتى في الممالك الإسلامية وحتى في الخلافة، كانت في أوج قوّتها ثمّ الضعف يدبُّ فيها حتى انقضت، رأينها في الخلافة الأموية وفي الخلافة العباسية وفي الخلافة العثمانية التي كانت تحكم العالم، وكانت موسكو تدفع لها الجزية، طرقوا أبواب أوروبا أكثر من مرة، وكانوا قاب قوسين أو أدنى من دخول قلب أوروبا ومن السيطرة عليه، ورغم ذلك بعد أن بلغت الغاية في قوتها بدأ الضعف يدبّ فيها.
(1) سورة الروم، الآية: 54.