فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 94

نفس الأمر يتكرّر مع الممالك الكافرة، بل الممالك الكافرة أحقّ بهذه السنة من الممالك الإسلامية {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [1] .

والناظر كذلك إلى سنة الله في الأمم الغابرة؛ عاد وثمود وفرعون؛ يجد أنهم بلغوا من القوة شيئًا خياليًا ثم أعقب هذا العلو الانهيار والانحدار، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [2] ، فبلغوا من القوة والعلو والتجبّر أن يقول في حقهم المولى تعالى: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} ، والله تعالى بالمرصاد للممالك الغابرة وبالمرصاد للمماليك الحاضرة.

كذلك قال تعالى في قوم عاد: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [3] ، فهم كانوا بالفعل جبّارين، ورغم ذلك أتى عليهم أمرٌ لا مرد له فكأنّ القوم ما كانوا، فهذه سنة الله في خلقه، وهي من التدريج الطبيعي في حياة الأفراد وفي حياة الأمم والملوك.

يقول ابن خلدون مبيّنًا هذه الحقيقة:"وإذا كان الهرم طبيعيًا في الدّولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطّبيعيّة كما يحدث الهرم في المزاج الحيوانيّ، والهرم من الأمراض المزمنة الّتي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها لما أنّه طبيعيّ، والأمور الطّبيعيّة لا تتبدّل."اهـ. [4]

أرى أن الوقت قد ضاق، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

(1) سورة آل عمران، الآية: 140.

(2) سورة الفجر، الآيات: 6 - 15.

(3) سورة الشعراء، الآيات: 128 - 130.

(4) تاريخ ابن خلدون، ط: دار الفكر (1\ 362) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت