فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 94

التحقيق- موجودًا أيضًا عند القياصر ولكنّه كان عند الأكاسرة أظهر وأشدّ؛ لأنّ ديانة القياصرة ظاهريًا هي النصرانيّة، أمّا ديانة الأكاسرة فكانت الوثنيّة والجاهليّة، ومن ضمن صور الوثنيّة عبادة الملوك والرؤساء. وكان الأكاسرة يحكمون شعوبهم على أساس (الحقّ الإلهي) وأنّهم مفوَّضون من قِبل الإله في حكم البشر، ممّا جعلهم يُغالون في التجبّر والظلم، وممّا جعل الناس -للأسف- يغالون في الخضوع والخنوع لهم.

كذلك ما رأيناه من سباق محموم لإشباع النفس بالملذّات والشهوات عند الدولة الرومانية نجده عند الدولة الفارسية، بل زاد النعيم والترف عن حد خيالي يعجز الإنسان عن تصوره، وننقل لكم حادثة عجيبة جدًا، تجعلنا نتعجب من نسيج هؤلاء الناس ومدى الانتكاس في الفطر الذي وصلوا إليه.

انظروا إلى حالة (يزدجرد) آخر ملوك الفرس الذي أطاح به الفتح الإسلامي يوم أن فرّ من عاصمته المدائن وهو رجل مهزوم حُطّمت إمبراطوريّته التي كانت في وقت من الأوقات تتقاسم العالم وتتنازعه، انظروا إلى حاله وهو يفر وعلى أيّ شيء يخرج، نقل ذلك صاحب كتاب (إيران في عهد الساسانيّين) وهو فارسي، يقول في صـ 681:"وهرب يزدجرد مع حاشيته ومعه ألف طاهٍ وألف مُطرب وألف فهّاد وألف بازيار فضلًا عمن سواهم، وعنده أنه في خفّ"اهـ. [1]

فأخذ معه ألف طبّاخ هو يفرّ من المدائن آخر معقل له، فهو يفرّ من آخر معقل له وملكه ينهار ورغم ذلك هو حريص على الشهوات وحريص على الملذات، فكانت أمم غير صالحة بأي حالة من الأحوال لقيادة البشر، فبالفعل كان لا بد أن تنتقل قيادة البشر إلى أيد جديدة. وأخذ معه ألف مغنٍ حتى يُطربوه وهو يفرّ!، وألف فهَّاد أي قيّم للنمور، وألف قيّم للبازيار أي الصقور، وهذا غير حاشيته الخاصّة من الجواري والخدم والغلمان، وكان يستقلُّ هذا العدد ويعتبر نفسه لاجئًا حقيرًا، وكل هذا غير الأموال والجواهر.

وأنتم تعرفون أن المسلمين يوم أن دخلوا المدائن بُهروا بما وجدوه من المتاع، وكانوا لا يتخيّلون أن هناك أناسًا يتمتّعون بهذا الشكل، ورغم ذلك داسوا هذا النعيم بأقدامهم وأرسلوه

(1) انظر ترجمة كتاب (إيران في عهد الساسانيين) لأرثر كريستنسن صـ 485 عن (الثعالبي صـ 742 وقارن حمزة صـ 36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت