فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 94

كاملًا غير منقوص إلى الخليفة الفاروق، وقال:"إنّ قومًا أدّوا هذا لأُمَنَاء"، فقال له علي -رضي الله عنه-: (عَفَفْتَ فعفَّت رعيّتك) . [1]

فلك أن تقارن بين هؤلاء وبين هؤلاء، وانظر لأي شيء يحرص هؤلاء وعلى أي شيء يحرص هؤلاء، أولئك في حالة الهزيمة والهروب يحرصون على أي شيء، وهذا يذكّرنا بما حصل عندما دخلت العراق الكويت؛ على أيّ شيء كان يحرص الأمراء في فرارهم، المهم التاريخ يعيد نفسه!.

فكان يزدجرد يستقلّ هذا العدد ويعتبر نفسه لاجئًا حقيرًا وأنه في حالة يُرثى له من قلّة الحاشية وفقدان أسباب الترفيه والتسلية، فما زال وهو في تلك الحالة يحرص على الترفيه والتسلية لأنّ غاية الحياة عنده محصورة في هذا الهدف، وهو محقٌّ وفقًا لمبادئه التي يؤمن بها ووفقًا لمعتقداته؛ الحياة عنده منحصرة في هذا الهدف أن يتمتّع غاية التمتّع، فليس بعد الموت شيء عنده، فهو حريص على أن ينسجم مع معتقداته وتصوراته، وهذه الصورة نراها اليوم أوضح ما تكون.

وفي سنة 487 م حدثت حادثة كان لها أبعد الأثر في تاريخ الفرس، وهي ظهور رجل تسمّى بالمصلح وهو (مزدك بن باماد) ، وهذا الرجل على التحقيق هو أوّل من قال بالشيوعية، فدعا هذا الرجل إلى أنّ المال والنساء مشاع بين الناس، وأنّ لكلّ الناس الحقّ في أيّ مال وفي أيّ امرأة مهما كانت وتحت يد من كانت.

يقول ابن جرير الطبري في كتابه (تاريخ الأمم والملوك) واصفًا لتلك الحركة التي قادها ذلك الرجل، وتلك الآثار المدمِّرة التي ترتَّبت عليها، يقول رحمه الله:"فحضّ بذلك السَّفَلَة على العِلْيَة، ( ... ) وسهَّلَ السبيل للغَصَبَة إلى الغَصْب، وللظَلَمَة إلى الظُّلم، وللعُهَّار إلى قضاء نَهْمَتِهِم."اهـ. [2]

ويقول الطبري:"فافترص السفلة ذلك واغتنموه، وكانفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتُلي الناس بهم، وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم ( ... ) فلم يلبثوا إلا قليلًا حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده، ولا المولود أباه، ولا يملك الرجل شيئًا مما يتسع به"اهـ. [3]

(1) انظر (البداية والنهاية) لابن كثير ط إحياء التراث (7\ 78) .

(2) تاريخ الطبري (2\ 99) .

(3) تاريخ الطبري (2\ 93)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت