"بطر الرومان معيشتهم وأخلدوا إلى الأرض واستهتروا استهتارًا، وكان مبدؤهم. أن الحياة إنما هي فرصة للتمتع، ينتقل فيها الإنسان من نعيم إلى ترف ومن لهو إلى لذة، ولم يكن زهدهم وصومهم في بعض الأحيان إلا ليبعث على شهوة الطعام، ولم يكن اعتدالهم إلا ليطول به عمر اللذة، كانت موائدهم تزهو بأواني الذهب والفضة مرصّعةً بالجواهر، ويحفُّ بهم خدم في ملابس جميلة خلابة، وغادات رومية حسان، وغوانٍ عاريات كاسيات غير متعفّفات تدل دلالًا، ويزيد في نعيمهم حمامات باذخة وميادين للهو واسعة ومصارع يتصارع فيها الأبطال مع الأبطال أو مع السباع، ولا يزالون يُصَارُعُون حتى يخرّ الواحد منهم صريعًا يتشحط في دمه."اهـ. [1]
فالحياة عندهم ليس لها أي معنى إلّا معنى واحد وهو أن يتفنّن الإنسان في إشباع رغباته وفي إشباع ملذّاته، تمامًا كالحالة التي نحن فيها اليوم، هو سباق محموم حول تحصيل الملذّات وحول إرواء هذه النفس التي لا ترتوي.
وقد بلغ الظلم على رعايا الشعوب التي كان يحتلّها الرومان؛ أن هذه الشعوب كانوا يضطرون إلى بيع أبنائهم للحصول على المال لدفع الإتاوات والضرائب للحكومة الرومانيّة، ذكر ذلك الأستاذ كرد علي في كتابه (خطط الشام) قال:"اضطر أهل الشام في ظل الاحتلال الروماني إلى بيع أبنائهم ليوفّروا الديون التي كانت عليهم من قِبل الدولة الرومانيّة"اهـ. [2]
فالناس كانوا يبيعوا أبناءهم حتى يوفّروا للدولة الرومانيّة المال الذي يُستغلّ في إشباع الملذّات وفي إرواء هذه النفس المنهومة والسُّعار المحموم نحو إرضائها. فكان القانون السائد بين الحكومة الرومانيّة وبين الشعوب التي تحتلّها؛ أنّهم كانوا ينظرون لتلك الشعوب على أساس أنهّا شاة حلوب تدرّ لهم المال والربح الوفير، فيُحسنون حلبها وفي نفس الوقت يسيئون علفها، ويعاملونها بمنتهى الظلم والإجحاف.
أمّا الدولة الفارسيّة صِنو الدولة الرومانية؛ فلم تكن بأحسن حالًا منها، وإنّما نفس ما رأيناه في الدولة الرومانيّة من الظلم والتجبّر نجده عند الدولة الفارسيّة، بل في الدولة الفارسيّة كان الأمر أسوء حالًا؛ فالأكاسرة تفوّقوا على القياصرة بادّعائهم الألوهيّة، وهذا الأمر كان -على
(1) انظر كتاب (ماذا خسر العلم بانحطاط المسلمين) لأبي الحسن الندوي ط مكتبة الإيمان صـ 148 عن (Conflict of Religion & Science) .
(2) يقول الأستاذ الكرد علي في خطط الشام طـ مكتبة النوري الثالثة 1\ 65:"ولم تضف رومية بلاد الشام إليها مباشرة، ولم يصبح سكانها وطنيين رومانيين، ولا أرضهم أرضا رومانية، وظلوا غرباء ورعايا وكثيرا ما كانوا يبيعون أبناءهم ليوفوا ما عليهم من الأموال. وقد كثرت المظالم والسخرات والرقيق وبهذه الأيدي عمر الرومان ما عمروا من المعاهد والمصانع في الشام."اهـ