لا شك أن من أعظم أسباب كفر هؤلاء المرتدين بعد تركهم لحكم الله تعالى واستبداله بحكم الطاغوت وعدم اتباعهم لشرع الله جملة وتفصيلًا، هو موالاتهم للكفار الأصليين وتبعيتهم لهم حذو القذة بالقذة، بالإضافة إلى الخضوع التام لأوامرهم وقوانينهم الكفرية.
فهذه العلاقة المحرمة نشأت منذ فجر ما يسمى كذبًا وزورًا ب"استقلال بلداننا"أو ما اصطلح على تسميته"بحروب التحرير"، فالمحتل الصليبي ما استطاع أن يتمكن من بلداننا إلا بفضل التعاون المتين لهؤلاء المرتدين، حيث رضعوا من لبن ثقافته حتى الثمالة، وخضعوا لعملية تربية دقيقة في بلدان الكفر أو في بلداننا على أيدي الخبراء الصليبيين واليهود، لكي يقوموا بأدوار طلائعية في الحفاظ على مصالح أعدائنا، مقابل الفوز بمناصب الحكم.
لقد قامت نخبة الردة في بلداننا بخداع الشعوب - أثناء ما يسمى بحرب التحرير - فتسلقوا على جهاد الشعوب الغافلة، واستغلوا دماءها وتضحياتها، ليقطفوا ثمرة جهادها المرير، ويجعلوا من جماجم وأشلاء الآلاف من الشهداء سلمًا للوصول إلى مناصب الحكم، وقد ساعدهم على ذلك أعداؤنا، بالتمكين لهم وتصويرهم للشعوب على أنهم أبطال وقيادات لهذا الجهاد. فخرج المحتل من الباب ليدخل هؤلاء المرتدون من ألف نافذة، وليتمكنوا من خيرات البلاد ورقاب العباد، كما لو كان المحتل موجودًا حالًا وفعلًا.
لقد تربى هؤلاء المرتدون على موائد الكفار من صليبيين ويهود، ليقوموا بدور الخلفاء لهؤلاء، فقاموا بهذا الدور الخبيث خير قيام، فجمعوا ثروات شعوبنا وخيرات بلداننا - تحت مسميات عدة وعبر وسائل مختلفة - ليقدموها في أطباق من ذهب لأعدائنا أو يدَّخروها في بنوكهم ليتم استغلالها هناك بعيدًا عن أصحابها الحقيقيين، كما ساهموا في ترويج ثقافة الفساد والكفر والفسوق في بلداننا تحت مسمى الانفتاح والتبادل الثقافي، وهو في حقيقة الأمر احتلال جديد للعقول، وهدم للعقيدة والقيم.
كما حاربوا- بأيديهم وأفواههم - كل من يدعو الأمة إلى دينها من المصلحين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فطاردوهم أو هجَّروهم أو سجنوهم أو قتلوهم، بعدما أدركوا خطرهم على مصائرهم ومخططاتهم الشيطانية.
ولقد تعاونوا مع أعدائنا في هذا المجال تعاونًا وثيقًا ولا يزالون، فسعوا إلى ما أسموه بتجفيف منابع الإصلاح والتضييق على الدعاة والمصلحين، بينما فتحوا أبواب الإفساد على مصراعيها لكل المفسدين لتنفيذ مهامهم وقدَّموا لهم كل الوسائل اللازمة لنشر مذاهبهم الهدامة. إن الله سبحانه وتعالى يخبرنا عن هذه العلاقة الجدلية والوطيدة بين الكفار الأصليين وهؤلاء المرتدين في قوله {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ، بل إن هؤلاء المرتدين لديهم درجة أعلى في الكفر، يستحقون بسببها أشد أنواع العذاب في الدنيا والآخرة، ومن لم يفهم هذه العلاقة وهذه الحقيقة ويدركها فلا زال في ضلال مبين، ولا يزال بحاجة إلى إعادة الفهم لدينه على ضوء فهم السلف الصالح.
المفهوم المغلوط وتأثيره على العمل الإسلامي:
بسبب خلل في عقيدتها، وانتشار عقيدة غلاة المرجئة في مسمى الإيمان والكفر، اعتبرت شعوبنا هذه الفئات المرتدة، فئات مسلمة بمجرد نطقها بالشهادتين أو في أغلب الأحيان بمجرد شهادة الميلاد، وهذه هي الطامة الكبرى، فمكنتها من الوصول إلى مناصب الحكم والقرار والتوجيه وما زالت هذه العقيدة منتشرة ومستشرية في الكثير من النفوس، بل ما زالت هي التي تطغى على مناهج وبرامج العمل لدى الكثير من الحركات الإسلامية في الساحة.
فمنذ فجر ما يسمى بالصحوة الإسلامية، والساحة تعرف هذا النوع من الفرق الإسلامية، التي تعتقد أن الإيمان هو مجرد النطق بالشهادتين أو هو عبارة عن اعتقاد محض، لا علاقة له بالعمل البتة، مما أدى إلى اختلاط المؤمن بالكافر، والصادق بالمنافق، والعدو بالولي، فصار الجميع مسلمًا ينبغي التعاون معه، لمصلحة البلاد والعباد، وصار الجميع صديقًا ووليًا ولا وجود لشيء يسمى البراء والعداء، ولا داعي لما يسمى بالجهاد، خاصة جهاد الطلب للتمكين لدين الله تعالى. فالجهاد أصبح للدفع ونُسخ جهاد الطلب، بل إننا وجدنا من أوقف حتى جهاد الدفع بدعوى أن الإسلام دين السلام والتسامح، ويحرص على دماء الأبرياء.
أما الكفار، فيعتبرهم هؤلاء أصدقاء، بل إنهم أهل كتاب ينبغي التعامل معهم بالتي هي أحسن، ولم لا، اعتبارهم إخوة لنا في الدين ينبغي التعاون معهم وفتح أبواب الحوار فيما بيننا، وتسمية ذلك بحوار الأديان أو حوار الحضارات بدلًا من تصادمها.
أما على المستوى الداخلي، وبخاصة التعامل مع الفئات الحاكمة في بلداننا، فإن الطامة أكبر، والمصيبة أعظم، حيث أننا نرى فقهًا جديدًا يسمى بفقه المصالح المرسلة أو كما يعبرون عنه بقولهم المشهور"حيثما كانت مصلحة فثم دين الله"، بمعنى أن الدين ينبغي أن يدور مع مصالح القوم، وليس العكس، وكل ما يتعارض مع هذه المصالح فليس من دين الله تعالى في اعتقادهم.
هذه هي القاعدة البدعية الجديدة التي بنوا عليها فقهًا عريضًا وطويلًا، ما شهدنا مثله من قبل في سلفنا.
الشيء الذي انبثق عنه نتائج وخيمة وغريبة، مفادها أن الحاكم - بالرغم من ردته - يعتبر ولي الأمر الشرعي ينبغي الخضوع له واتباع أوامره ومبايعته على السمع والطاعة في المنشط والمكره.
وفي أسوأ حالات التعامل مع هؤلاء الحكام، فإنه لا يجوز الخروج عليه أو اعتباره كافرًا مرتدًا، بل أقصى ما يستطيعون وصفهم به، هو الظلم أو الانحراف، والصبر على أذاهم حتى لو جلدوا ظهورهم أو أخذوا أموالهم.