فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 738

دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ , وَلَمْ يَكُنْ بِهِ مِنْ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ , فَوَجَبَ تَخْصِيصُ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبِهِ , وَحُمِلَ الْآخَرُ عَلَى عُمُومِهِ , لِأَنَّ السَّبَبَ مِنْ أَمَارَاتِ التَّخْصِيصِ . ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي . وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ حَدِيثُ: { لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ } فَإِنَّمَا اعْتَبَرَ السَّبَبَ لِقَصْدِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ كَنَظِيرِ مَا سَبَقَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ , كَيْفَ وَقَدْ نَصَّ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فِي إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ: { الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } , فَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي أُصُولِهِ: قَصَرَهُ أَصْحَابُنَا عَلَى سَبَبِهِ , وَهُوَ فِيهِ عَبْدٌ بِيعَ , فَظَهَرَ فِيهِ عَيْبٌ , فَجَهِلَ لِمُشْتَرِيهِ خَرَاجُهُ لِضَمَانِهِ إيَّاهُ لَوْ تَلِفَ . قَالَ: فَجَعَلَ أَصْحَابُنَا ذَلِكَ حُكْمًا فِي الْبُيُوعِ دُونَ الْغُصُوبِ وَإِنْ كَانَتْ الْغُصُوبُ مَضْمُونَةً , وَقَدْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمْ . ا هـ . وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ: الْغَاصِبُ يَضْمَنُ مَنْفَعَةَ الْمَغْصُوبِ اسْتَوْفَاهَا أَمْ لَا , خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ , وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ: { الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } , وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ فِي خَرَاجِ الْمِلْكِ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْمُشْتَرِي إذَا اسْتَعْمَلَ الْمَبِيعَ , ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ , فَأَرَادَ الرَّدَّ . ا هـ . هَذَا مِنْ الْقَفَّالِ وَالْقَاضِي اعْتِبَارًا لِلسَّبَبِ . وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: أَنَّ { النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ } , وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ , إذْ لَا عُمُومَ لِمِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ عَلَى الْأَصَحِّ , كَمَا فِيمَنْ قَضَى بِالشُّفْعَةِ . قُلْت: لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } . وَهَذِهِ صِيغَةٌ عَامَّةٌ , ثُمَّ رَأَيْت الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَالْحُجَّةُ فِي أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ غَلَّةُ مَا اغْتَصَبَهُ , وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ الدَّارَ , وَلَمْ يَرْكَبْ الدَّابَّةَ حَدِيثُ مُجَالِدِ بْنِ خَلَّافٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: { الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } , وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي عَبْدٍ , وَلَيْسَ بِعَيْبِهِ , فَقَضَى النَّبِيُّ عليه السلام بِالْغَلَّةِ لِمَالِك الرَّقَبَةِ , فَذَلِكَ يَقْضِي بِالْغَلَّةِ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ , وَهُوَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ , لِأَنَّهُ مَالِكُ الشَّيْءِ . ا هـ . وَهَذَا الِاسْتِدْلَال يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ , وَقَدْ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ: قِيلَ: إنَّ الشَّافِعِيَّ أَشَارَ إلَى اعْتِبَارِ خُصُوصِ السَّبَبِ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ , وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: { الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } مَقْصُودٌ عَلَى سَبَبِهِ . وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: { لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ } أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي ثِمَارِهِمْ وَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي مَوَاضِعَ مُحَوَّطَةٍ . وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ قَالُوا: إنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا لِأَدِلَّةٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ , فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلٌ عَلَى التَّخْصِيصِ فَمَذْهَبُهُ إجْرَاءُ اللَّفْظِ عَلَى عُمُومِهِ . ا هـ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي أُصُولِهِ , وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ أَيْضًا: كُلُّ خِطَابٍ حَصَلَ عِنْدَ حُدُوثِ مَعْنًى , فَإِنْ كَانَ فِي الْخِطَابِ أَوْ غَيْرِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْحُكْمَ فِي الْمَعْنَى فَالنَّظَرُ إلَى الْمَعْنَى ابْتِدَاءً سَوَاءٌ كَانَ أَعَمَّ مِنْ الِاسْمِ أَوْ أَخَصَّ , لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعْنَى , وَإِنْ لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ فَالْحُكْمُ لِلِاسْمِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ . انْتَهَى . وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي الْقَصْرَ عَلَى السَّبَبِ , فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ كَمَا فَعَلَ فِي الْآيَةِ , وَفِي حَدِيثِ { الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ } , وَبِئْرِ بُضَاعَةَ , وَغَيْرِهَا . وَحَكَاهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَنْ أَصْحَابِنَا . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْقَصْرِ عَلَى السَّبَبِ لِدَلِيلِ الْعَمَلِ بِهِ مُطْلَقًا , فَمِنْ هَاهُنَا مَثَارُ الْغَلَطِ عَلَى الشَّافِعِيِّ , فَقَدْ عَمِلُوا بِحَدِيثِ: { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ } مُطْلَقًا فِي الْإِمَاءِ وَالْحَرَائِرِ وَالْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ وَالْمَنْكُوحَةِ مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي التَّدَاعِي فِي وَلَدِ الْمَمْلُوكَةِ , وَعَمِلُوا بِحَدِيثِ الْعَرَايَا مُطْلَقًا , لِلْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ , مَعَ أَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْفُقَرَاءِ . وَكَذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الرَّمَلِ ثَبَتَتْ مُطْلَقًا , وَإِنْ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ , وَقَدْ زَالَ . وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت