هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَيُمْكِنُ رَدُّهُ إلَيْهَا وَلَمَّا لَمْ يَخْلُ هَذَا عَنْ تَكَلُّفٍ كَمَا نَرَى أَعْرَضَ عَنْهُ الْعَامَّةُ وَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى عَدَدٍ قَوْلُهُ ( وَيَجُوزُ فِي النَّصِّ ) يَعْنِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَذْكُورًا فِي النَّصِّ لَوْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى ثَابِتًا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ كَالتَّعْلِيلِ بِالطَّوَافِ فِي الْهِرَّةِ فَإِنَّهُ مَذْكُورٌ فِي النَّصِّ , وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم { إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ عَلَيْكُمْ } , أَوْ هُوَ ثَابِتٌ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ , وَهُوَ الْهِرَّةُ , وَكَذَا التَّعْلِيلُ بِالْقَدْرِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ فَإِنَّهُ مَذْكُورٌ فِي النَّصِّ , وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم كَيْلًا بِكَيْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ , أَوْ ثَابِتٌ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ , وَهُوَ الْأَشْيَاءُ السِّتَّةُ . وَهَذَا لَا يَشْكُلُ أَيْ جَوَازُ التَّعْلِيلِ بِوَصْفٍ فِي النَّصِّ غَيْرُ مُشْكِلٍ ; لِأَنَّ النَّصَّ هُوَ الَّذِي يُعَلِّلُ فَالتَّعْلِيلَ بِوَصْفٍ فِيهِ يَكُونُ صَحِيحًا لَا مَحَالَةَ . وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ إذَا كَانَ ثَابِتًا بِهِ مَعْنًى وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى ثَابِتًا بِصَرِيحِ النَّصِّ , أَوْ لَا يَكُونُ ثَابِتًا فِي الْمَحَلِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بَلْ يَكُونُ فِي غَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِهِ مِثْلُ تَعْلِيلِ جَوَازِ السَّلَمِ بِإِعْدَامِ الْعَاقِدِ أَيْ بِفَقْرِهِ وَاحْتِيَاجِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي النَّصِّ ; لِأَنَّ الْإِعْدَامَ مَعْنًى فِي الْعَاقِدِ لَا فِي السَّلَمِ لَكِنَّهُ ثَابِتٌ بِهِ أَيْ بِالنَّصِّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ وُجُودَ السَّلَمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ يَقْتَضِي عَاقِدًا وَالْإِعْدَامُ صِفَتُهُ فَكَانَ ثَابِتًا بِاقْتِضَائِهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِعَيْنِ النَّصِّ وَعَلَّلَ الشَّافِعِيُّ عَدَمَ جَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم { لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ } بِأَنَّهُ أَيْ نِكَاحَ الْأَمَةِ إرْقَاقُ جُزْءٍ مِنْهُ , وَهُوَ الْوَلَدُ مَعَ الْغُنْيَةِ عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ وَعَدَاهُ إلَى نِكَاحِ الْأَمَةِ مَعَ طُولِ الْحُرَّةِ وَلَيْسَ فِي النَّصِّ فَإِنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم { لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ } لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِصَرِيحِهِ وَلَكِنَّهُ ثَابِتٌ بِهِ فَإِنَّ ذِكْرَ النِّكَاحِ يَقْتَضِي نَاكِحًا كَمَا أَنَّ ذِكْرَ السَّلَمِ يَقْتَضِي عَاقِدًا وَالْإِرْقَاقُ صِفَتُهُ فَكَانَ ثَابِتًا بِمُقْتَضَى النَّصِّ . وَذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْوَصْفِ قَائِمًا بِمَحَلِّ الْحُكْمِ فَعِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ هُوَ شَرْطٌ اسْتِدْلَالًا بِالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ كَالْحَرَكَةِ عِلَّةٌ لِصَيْرُورَةِ الذَّاتِ مُتَحَرِّكًا , وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْحَرَكَةُ فِي مَحَلِّ عِلَّةٍ لِصَيْرُورَةِ ذَاتِ آخَرَ مُتَحَرِّكًا فَكَذَا فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَشَايِخُنَا قَالُوا إنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَصْفُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحُكْمِ فَإِنَّ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ وَنَحْوَهَا عِلَلٌ لِثُبُوتِ الْأَحْكَامِ فِي الْمَحَالِّ بِهَذِهِ الْعِبَارَاتِ قَائِمَةٌ بِالْعَاقِدَيْنِ . وَكَذَا كَوْنُ الشَّخْصِ مُعْدَمًا مُحْتَاجًا , عِلَّةُ جَوَازِ السَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ , وَهَذَا الْوَصْفُ قَائِمٌ بِالْعَاقِدِ لَا بِمَحَلِّ الْحُكْمِ قَالَ: وَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ وُجُودُهُ شَرْطًا فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ وَدَلَالَاتٌ عَلَى الْأَحْكَامِ وَقِيَامُ الدَّلِيلِ بِالْمَدْلُولِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الدَّلِيلِ كَالْعَالَمِ دَلِيلُ وُجُودِ الصَّانِعِ ; وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ السِّحْرَ عِلَّةٌ لِتَغَيُّرِ الْمَسْحُورِ . وَكَذَا الْعَيْنُ عِلَّةٌ لِتَغَيُّرِ الشَّيْءِ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْعَيْنُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الِاتِّصَالُ وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ الْعِلَّةُ بِهَذَا الشَّرْطِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَلِهَذَا أَنْكَرُوا السِّحْرَ وَالْعَيْنَ لِعَدَمِ الِاتِّصَالِ بِمَحَلِّ الْحُكْمِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - قَوْلُهُ ( وَإِنَّمَا اسْتَوَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ ) يَعْنِي الْوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ قَوْلِهِ , وَهُوَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لَازِمًا إلَى قَوْلِهِ وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ إذَا كَانَ ثَابِتًا بِهِ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهَا ; لِأَنَّ التَّعْلِيلَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ كَوْنُ الْوَصْفِ حُجَّةً وَيُعْرَفُ بِهِ كَوْنُهُ عِلَّةً هُوَ الْأَثَرُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ وَذَلِكَ أَيْ الْأَثَرُ لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَ هَذِهِ الْوُجُوهِ لِجَوَازِ ظُهُورِ التَّأْثِيرِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَمَتَى ظَهَرَ لِشَيْءٍ مِنْهَا التَّأْثِيرُ فَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً فَوَجَبَ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهِ . وَاتَّفَقُوا أَنَّ كُلَّ أَوْصَافِ النَّصِّ بِجُمْلَتِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً ; لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْأَوْصَافِ فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ بِوَصْفِ