الْمَعْزُومُ عَلَيْهِ مُعَلَّقًا لَزِمَ تَعْلِيقُ بَقَاءِ الْعَزْمِ فَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنَّ تَعْلِيقَ الْعَزْمِ ابْتِدَاءً أَوْ دَوَامًا فِي مِثْلِ ذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَحْنَثْ الْمُطَلِّقُ الْمُعَلِّقُ وَحَرْفُ"إنْ"لَا يُبْقِي الْعَزْمَ فَلَا بُدَّ إذَا دَخَلَ عَلَى الْمَاضِي صَارَ مُسْتَقْبَلًا تَقُولُ: إنْ جَاءَ زَيْدٌ كَانَ كَذَلِكَ { فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ } وَإِذَا أُرِيدَ الْمَاضِي دَخَلَ حَرْفُ"إنْ"كَقَوْلِهِ: { إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي } فَيُفَرِّقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ إنْ كَانَ اللَّهُ شَاءَ إيمَانِي . وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنِّي لَا أَعْلَمُ بِمَاذَا يُخْتَمُ لِي كَمَا قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّ فُلَانًا يَشْهَدُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ . قَالَ: فَلْيَشْهَدْ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَهَذَا مُرَادُهُ إذَا شَهِدَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ يَمُوتُ عَلَى الْإِيمَانِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنَّ إيمَانِي حَاصِلٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ . وَمَنْ لَمْ يَسْتَثْنِ قَالَ أَنَا لَا أَشُكُّ فِي إيمَانِ قَلْبِي فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُزَكِّ نَفْسَهُ وَيَقْطَعْ بِأَنَّهُ عَامِلٌ كَمَا أُمِرَ وَقَدْ تَقَبَّلَ اللَّهُ عَمَلَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ إنَّ إيمَانَهُ كَإِيمَانِ جِبْرِيلَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِ الْمُرْجِئَةِ كَمَا كَانَ مِسْعَرُ بْنُ كدام يَقُولُ أَنَا لَا أَشُكُّ فِي إيمَانِي قَالَ أَحْمَد: وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُرْجِئَةِ فَإِنَّ الْمُرْجِئَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْأَعْمَالُ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ وَهُوَ كَانَ يَقُولُ: هِيَ مِنْ الْإِيمَانِ لَكِنْ أَنَا لَا أَشُكُّ فِي إيمَانِي . وَكَانَ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ لِسُفْيَانَ بْنِ عيينة: أَلَا تَنْهَاهُ عَنْ هَذَا فَإِنَّهُمْ مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ النِّزَاعَ فِي هَذَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ جِنْسِ الْمُنَازَعَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَكُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ ."وَأَمَّا جَهْمٌ"فَكَانَ يَقُولُ: إنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا ؛ بَلْ أَحْمَد وَوَكِيعٌ وَغَيْرُهُمَا كَفَّرُوا مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَلَكِنْ هُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْأَشْعَرِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ؛ وَلَكِنْ قَالُوا مَعَ ذَلِكَ إنَّ كُلَّ مَنْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِكُفْرِهِ حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ وَاسْتَدْلَلْنَا بِتَكْفِيرِ الشَّارِعِ لَهُ عَلَى خُلُوِّ قَلْبِهِ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى أَقْوَالِهِمْ وَأَقْوَالِ غَيْرِهِمْ فِي"الْإِيمَانِ". وَالْأَصْلُ الَّذِي مِنْهُ نَشَأَ النِّزَاعُ اعْتِقَادُ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَظَنُّ بَعْضِهِمْ أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ كَمَا ذَكَرَ الْأَشْعَرِيُّ أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ فَهَذَا كَانَ أَصْلَ الْإِرْجَاءِ كَمَا كَانَ"أَصْلُ الْقَدَرِ"عَجْزَهُمْ عَنْ الْإِيمَانِ بِالشَّرْعِ وَالْقَدَرِ جَمِيعًا فَلَمَّا كَانَ هَذَا أَصْلَهُمْ صَارُوا حِزْبَيْنِ . قَالَتْ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ قَدْ عَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّ الْأَعْمَالَ مِنْ الْإِيمَانِ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ تَرَكَ بَعْضَ الْإِيمَانِ وَإِذَا زَالَ بَعْضُهُ زَالَ جَمِيعُهُ ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَكُونُ فِي الْعَبْدِ إيمَانٌ وَنِفَاقٌ فَيَكُونُ أَصْحَابُ الذُّنُوبِ مُخَلَّدِينَ فِي النَّارِ إذْ كَانَ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ شَيْءٌ . وَقَالَتْ"الْمُرْجِئَةُ"- مُقْتَصِدَتُهُمْ وَغُلَاتُهُمْ كالجهمية - قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَهْلَ الذُّنُوبِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ لَا يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ ؛ بَلْ يَخْرُجُونَ مِنْهَا كَمَا تَوَاتَرَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ . وَعَلِمْنَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا كُفَّارًا مُرْتَدِّينَ ؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ قَدْ أَمَرَ بِقَطْعِ السَّارِقِ لَا بِقَتْلِهِ وَجَاءَتْ السُّنَّةُ بِجَلْدِ الشَّارِبِ لَا بِقَتْلِهِ فَلَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ كُفَّارًا مُرْتَدِّينَ لَوَجَبَ قَتْلُهُمْ ؛ وَبِهَذَا ظَهَرَ لِلْمُعْتَزِلَةِ ضِعْفُ قَوْلِ الْخَوَارِجِ فَخَالَفُوهُمْ فِي أَحْكَامِهِمْ فِي الدُّنْيَا . و"الْخَوَارِجُ"لَا يَتَمَسَّكُونَ مِنْ السُّنَّةِ إلَّا بِمَا فَسَّرَ مُجْمَلَهَا دُونَ مَا خَالَفَ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ عِنْدَهُمْ فَلَا يَرْجُمُونَ الزَّانِيَ وَلَا يَرَوْنَ لِلسَّرِقَةِ نِصَابًا وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يَقُولُونَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ قَتْلُ الْمُرْتَدِّ فَقَدْ يَكُونُ الْمُرْتَدُّ عِنْدَهُمْ نَوْعَيْنِ . و"أَقْوَالُ الْخَوَارِجِ"إنَّمَا عَرَفْنَاهَا مِنْ نَقْلِ النَّاسِ عَنْهُمْ لَمْ نَقِفْ لَهُمْ عَلَى كِتَابٍ مُصَنَّفٍ كَمَا وَقَفْنَا عَلَى كُتُبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ