فهرس الكتاب

الصفحة 362 من 738

وَلَا يُكَلَّفُ الْإِقْرَارَ بِمَا نُسِبَ إلَيْهِ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم { أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ . فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا , وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلِأَنَّ هَذَا يَثْبُتُ بِهِ إسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَكَذَلِكَ إسْلَامُ الْمُرْتَدِّ , وَلَا حَاجَةَ مَعَ ثُبُوتِ إسْلَامِهِ إلَى الْكَشْفِ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ . وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِجَحْدِ الْوَحْدَانِيَّةِ , أَوْ جَحْدِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَوْ جَحْدِهِمَا مَعًا , فَأَمَّا مَنْ كَفَرَ بِغَيْرِ هَذَا , فَلَا يَحْصُلُ إسْلَامُهُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ بِمَا جَحَدَهُ . وَمَنْ أَقَرَّ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَأَنْكَرَ كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إلَى الْعَالَمِينَ , لَا يَثْبُتُ إسْلَامُهُ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ , أَوْ يَتَبَرَّأَ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ . وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ مَبْعُوثٍ بَعْدُ غَيْرِ هَذَا , لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ بِأَنَّ هَذَا الْمَبْعُوثَ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ; لِأَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ , احْتَمَلَ أَنَّهُ أَرَادَ مَا اعْتَقَدَهُ . وَإِنْ ارْتَدَّ بِجُحُودِ فَرْضٍ , لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ , وَيُعِيدَ الشَّهَادَتَيْنِ ; لِأَنَّهُ كَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِمَا اعْتَقَدَهُ . وَكَذَلِكَ إنْ جَحَدَ نَبِيًّا , أَوْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى , أَوْ كِتَابًا مِنْ كُتُبِهِ , أَوْ مَلَكًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ الَّذِينَ ثَبَتَ أَنَّهُمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ , أَوْ اسْتَبَاحَ مُحَرَّمًا , فَلَا بُدَّ فِي إسْلَامِهِ مِنْ الْإِقْرَارِ بِمَا جَحَدَهُ . وَأَمَّا الْكَافِرُ بِجَحْدِ الدِّينِ مِنْ أَصْلِهِ , إذَا شَهِدَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ , وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ , فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا , يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ { أَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ . ثُمَّ مَاتَ , فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ . } وَلِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إلَّا وَهُوَ مُقِرٌّ بِمَنْ أَرْسَلَهُ , وَبِتَوْحِيدِهِ ; لِأَنَّهُ صَدَّقَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا جَاءَ بِهِ , وَقَدْ جَاءَ بِتَوْحِيدِهِ . وَالثَّانِيَةُ , أَنَّهُ إنْ كَانَ مُقِرًّا بِالتَّوْحِيدِ كَالْيَهُودِ , حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ; لِأَنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ ثَابِتٌ فِي حَقِّهِ , وَقَدْ ضَمَّ إلَيْهِ الْإِقْرَارَ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَكَمُلَ إسْلَامُهُ , وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُوَحِّدٍ , كَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالْوَثَنِيِّينَ , لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ , حَتَّى يَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ . وَبِهَذَا جَاءَتْ أَكْثَرُ الْأَخْبَارِ , وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئَيْنِ لَا يَزُولُ جَحْدُهُمَا إلَّا بِإِقْرَارِهِ بِهِمَا جَمِيعًا . وَإِنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَسُولُ اللَّهِ . لَمْ نَحْكُمْ بِإِسْلَامِهِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ نَبِيِّنَا . وَإِنْ قَالَ: أَنَا مُؤْمِنٌ أَوْ أَنَا مُسْلِمٌ . فَقَالَ الْقَاضِي: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِهَذَا , وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالشَّهَادَتَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا اسْمَانِ لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مَعْرُوفٍ وَهُوَ الشَّهَادَتَانِ , فَإِذَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا تَضَمَّنَ الشَّهَادَتَيْنِ , كَانَ مُخْبِرًا بِهِمَا . وَرَوَى الْمِقْدَادُ , أَنَّهُ قَالَ: { يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ , فَقَاتَلَنِي , فَضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ , فَقَطَعَهَا , ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ , فَقَالَ: أَسْلَمْتُ . أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا ؟ قَالَ: لَا تَقْتُلْهُ , فَإِنْ قَتَلْتَهُ , فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِك قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ , وَإِنَّك بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَهَا . } وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . قَالَ: { أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ , فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ , إنِّي مُسْلِمٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَوْ كُنْتَ قُلْتَ وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك , أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ } . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ . وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا فِي الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ , أَوْ مَنْ جَحَدَ الْوَحْدَانِيَّةَ أَمَّا مَنْ كَفَرَ بِجَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ أَوْ فَرِيضَةٍ وَنَحْوِهَا , فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْإِسْلَامَ مَا هُوَ عَلَيْهِ , فَإِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كُلَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ هُمْ الْمُسْلِمُونَ , وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ كَافِرٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت