فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 738

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ يَصِحُّ إسْلَامُهُ فِي الْجُمْلَةِ . وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ , وَصَاحِبَاهُ , وَإِسْحَاقُ , وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ , وَأَبُو أَيُّوبَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَزُفَرُ: لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ حَتَّى يَبْلُغَ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ; عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ } . حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ , فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ الصَّبِيِّ كَالْهِبَةِ ; وَلِأَنَّهُ أَحْدُ مَنْ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْهُ , فَلَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ , كَالْمَجْنُونِ , وَالنَّائِمِ , وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ , أَشْبَهَ الطِّفْلَ . وَلَنَا , عُمُومُ قَوْلِهِ عليه السلام: { مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ . دَخَلَ الْجَنَّةَ } . وَقَوْلِهِ: { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا , وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ } . وَقَالَ عليه السلام {: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ , فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ , أَوْ يُنَصِّرَانِهِ , حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ , إمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا . } وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِهَا الصَّبِيُّ , وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ , فَصَحَّتْ مِنْ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ , كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ , وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى دَعَا عِبَادَهُ إلَى دَارِ السَّلَامِ , وَجَعَلَ طَرِيقَهَا الْإِسْلَامَ , وَجَعَلَ مَنْ لَمْ يُجِبْ دَعْوَتَهُ فِي الْجَحِيمِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ , فَلَا يَجُوزُ مَنْعُ الصَّبِيِّ مِنْ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ , مَعَ إجَابَتِهِ إلَيْهَا , وَسُلُوكِهِ طَرِيقَهَا , وَلَا إلْزَامُهُ بِعَذَابِ اللَّهِ , وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالنَّارِ , وَسَدُّ طَرِيقِ النَّجَاةِ عَلَيْهِ مَعَ هَرَبِهِ مِنْهَا , وَلِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ إجْمَاعٌ , فَإِنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه أَسْلَمَ صَبِيًّا , وَقَالَ: سَبَقْتُكُمْ إلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا صَبِيًّا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حِلْمِ وَلِهَذَا قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ , وَمِنْ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ , وَمِنْ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ , وَمِنْ الْعَبِيدِ بِلَالٌ , وَقَالَ عُرْوَةُ: أَسْلَمَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ , وَهُمَا ابْنًا ثَمَانِ سِنِينَ , وَبَايَعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ابْنُ الزُّبَيْرِ لِسَبْعِ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ , وَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَحَدٍ إسْلَامَهُ , مِنْ صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ . فَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ . } فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ , فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُكْتَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ , وَالْإِسْلَامُ يُكْتَبُ لَهُ لَا عَلَيْهِ , وَيَسْعَدُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , فَهُوَ كَالصَّلَاةِ تَصِحُّ مِنْهُ وَتُكْتَبُ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ , وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ . فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يُوجِبُ الزَّكَاةَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ , وَنَفَقَةَ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ , وَيَحْرِمُهُ مِيرَاثَ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ , وَيَفْسَخُ نِكَاحَهُ . قُلْنَا: أَمَّا الزَّكَاةُ فَإِنَّهَا نَفْعٌ ; لِأَنَّهَا سَبَبُ الزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ , وَتَحْصِينِ الْمَالِ وَالثَّوَابِ , وَأَمَّا الْمِيرَاثُ وَالنَّفَقَةُ , فَأَمْرٌ مُتَوَهَّمٌ , وَهُوَ مَجْبُورٌ بِمِيرَاثِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ الْمُسْلِمِينَ , وَسُقُوطِ نَفَقَةِ أَقَارِبِهِ الْكُفَّارِ , ثُمَّ إنَّ هَذَا الضَّرَرَ مَغْمُورٌ فِي جَنْبِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , وَخَلَاصِهِ مِنْ شَقَاءِ الدَّارَيْنِ وَالْخُلُودِ فِي الْجَحِيمِ , فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الضَّرَرِ فِي أَكْلِ الْقُوتِ , الْمُتَضَمِّنِ قُوتَ مَا يَأْكُلُهُ , وَكُلْفَةُ تَحْرِيكِ فِيهِ لِمَا كَانَ بَقَاؤُهُ بِهِ لَمْ يُعَدَّ ضَرَرًا , وَالضَّرَرُ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي جَنْبِ مَا يَحْصُلُ مِنْ النَّفْعِ , أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ . إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْخِرَقِيِّ اشْتَرَطَ لِصِحَّةِ إسْلَامِهِ شَرْطَيْنِ ; أَحَدُهُمَا , أَنْ يَكُونَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِضَرْبِهِ عَلَى الصَّلَاةِ لِعَشْرٍ . وَالثَّانِي: أَنْ يَعْقِلَ الْإِسْلَامَ . وَمَعْنَاهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبُّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ . فَإِنَّ الطِّفْلَ الَّذِي لَا يَعْقِلَ , لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ اعْتِقَادُ الْإِسْلَامِ , وَإِنَّمَا كَلَامُهُ لِقَلْقَةٍ بِلِسَانِهِ , لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْعَشْرِ , فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمُصَحِّحِينَ لِإِسْلَامِهِ , لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ , وَلَمْ يَحُدُّوا لَهُ حَدًّا مِنْ السِّنِينَ . وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَتَى مَا حَصَلَ , لَا حَاجَةَ إلَى زِيَادَةٍ عَلَيْهِ . وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ , إذَا كَانَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ فَإِسْلَامُهُ إسْلَامٌ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت