وبهذا يظهر لك أن عقيدتنا بحمد الله أصفَى عقيدة وأطهر،فالعبدُ لا يفعلُ شيئًا بنفسه مهما كانت رتبتُه أو درجتُه حتى أفضل الخلق - صلى الله عليه وسلم - ،إنما يعطي ويمنعُ ويضرُّ وينفعُ ويجيبُ ويعينُ باللهِ سبحانه وتعالى .
فإذا استغيثَ به أو استعينَ أو طلِبَ فإنما يتوجه إلى المولى جلَّ شأنه سبحانه وتعالى،فيطلب ويدعو ويسألُ ويشفعُ فيجابُ ويشفَّعُ .
وما كان يقول لهم:لا تطلبوا مني شيئًا ولا تسألوني ولا تشكوا حالكم إليَّ بل توجَّهوا إلى الله واسألوه فبابُه مفتوحٌ وهو قريبٌ مجيبٌ لا يحتاجُ إلى أحد،وليس بينه وبين خلقه حجابٌ ولا بوَّابٌ .
فلمَّا يقل لهم ذلك،دلَّ على الجواز .
وللشيخ محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله- موقفٌ عظيمٌ ورأيٌ حكيمٌ في هذا الباب وخصوصًا بالنسبة لبعض الألفاظ المشتهرة على الألسنة،والتي زعم من يدَّعي حمايةَ التوحيد والغيرة عليه أنها شركٌ،وإنَّ قائلها مشركٌ،قال في رسالته إلى عبد الله بن سحيم مطوع أهل المجمعة:
"إذا تبيَّنَ هذا،فالمسائلُ التي شنَّع بها،منها ما هو من البهتان الظاهر،وهي قوله:إني مبطلٌ كتب المذاهب،وقوله:إني أقولُ:إنَّ الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء،وقوله:إني أدَّعي الاجتهاد،وقوله:إني خارجٌ عن التقليد،وقوله:إني أقول إن اختلاف العلماء نقمةٌ،وقوله:إني أكفّرُ من توسَّلَ بالصالحين،وقوله:إني أكفّر البوصيري،لقوله يا أكرمَ الخلق [1] ،وقوله:إني"
(1) - يا أكرَمَ الخلق ما لي مَن ألوذُ به سِوَاكَ عِندَ حُلولِ الحادِثِ العَمِمِ
قلت:هذا لا يعني أننا نقرُّ البوصيري -رحمه الله- أوغيره من الشعراء على أخطائهم ،كقوله في البردة:
فإنَّ منْ جُودِكَ الدنيا وضَرَّتها ومنْ علومِكَ علمُ اللوحِ والقلَمِ
فهذا ليس بصحيح ،قال تعالى على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -: { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوكُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (188) سورة الأعراف، وإنما هومن شطحات الشعراء ، وقد قال تعالى عنهم: { أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) } [الشعراء/225-227]
ومثله قول أحمد شوقي رحمه الله في نهج البردة:
وَقيلَ كُلُّ نَبِيٍّ عِندَ رُتبَتِهِ وَيا مُحَمَّدُ هَذا العَرشُ فَاِستَلِمِ
فهذا من شطحاته أيضًا ، ولكن علينا أن ننبه على الخطأ لا أن نحكم بكفرهم وشركهم - معاذ الله- وإنما أخطؤوا في التعبير كما أخطأ الرجلُ الذي فقد دابته في فلاة فيئس منها ونام لينتظر الموت فلما استيقظ وجدها فقال: ( مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِى وَأَنَا رَبُّكَ،أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ) انظر الحديث في صحيح مسلم (7136)