أثنى عليهم بذكر مواقفهم الكريمة،فلا ينبغي أن تداس بالأقدام مواقفُ المخلِصين عند الاختلاف بالرأي كما هو الحال في واقعنا. ثم زهَّدهم بالدنيا ورغبهم فيما عند الله والدار الآخرة،ثم جعل من نفسه واحدا منهم ودعا لهم بالدعاء المستجاب الذي لا يرد ففاضت الدموع ورضيت القلوب وقنعت.
سابعًا- مدارةُ الناس وحملُهم على الحق شيئًا فشيئًا:فعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ - أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ - لأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالأَرْضِ وَلأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ » . [1]
فلنتعاونْ فيما اتفقنا عليه،ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه. [2]
ثامنًا- وجودُ الرجل الحكيم (الربانيِّ) الرحيم بمن معه الذي تجتمع عنده القلوب،يمنع كثيرا من الفتن،ويرأب الصدع،قال تعالى مخاطباًَ نبيه - صلى الله عليه وسلم -: « فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» (آل عمران:159) . ومثله حديث الأعرابي الذي بَالَ في الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ،فَقَالَ لَهُمُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ،أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ،فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ،وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ » [3] .
تاسعًا- القولُ بأن المذاهبَ فرقت المسلمين قولٌ مردودٌ،فالاختلافُ في الفروع لا يضرُّ بوحدة المسلمين،وقد اختلف الصحابةُ والتابعونُ والأئمةُ رضي الله عنهم فيها فما ضرَّهم ذلك شيئا.
والزعمُ بأنَّ وجود النصِّ أو الحديثِ كافٍ لإزالةِ الخلافِ وتوحيدِ الجميعِ على رأيٍ واحدٍ ـ كما يرى بعض المعاصرين ـ زعمٌ غيرُ صحيح وذلك لأن معظم النصوص دلالتها ليست قطعية على المعنى المراد،فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: « لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ » . فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِى الطَّرِيقِ
(1) - صحيح مسلم (3307 ) .
(2) - قالها رشيد رضا رحمه الله في مجلة المنار - (ج 35 / ص 471)
(3) - صحيح البخاري (220 ) .