الذي لا يقبل الاجتهاد هو (القطعياتُ) التي تجسِّمُ الوحدة الفكرية والشعورية والعملية للأمة،وهي التي لا ينبغي أن يسمح بتحويلها إلى ظنياتٍ يجادلُ فيها المجادلون،ويشككُ المشككون،ومن المعروف أن هذه القطعياتِ تمثلُ مساحةً قليلةً جدًّا من الأحكام العملية،وجلُّ الأحكام تقع في منطقة (الظنيات) القابلة للاجتهاد.
ولا ريبَ أن هذه رحمةٌ من الله تعالى بعباده،وتوسعةٌ عليهم،ولو شاء سبحانه لأغلق علينا باب الاجتهاد كله بالنصِّ على كل حكم نصًّا قطعيًّا لا يحتملُ إلا وجها واحدا.
ولكنه سبحانه،رحمنا ووسَّع علينا،فسكتَ عن أشياء كثيرةً لم ينص على حكمها صراحةً في كتابٍ ولا سنَّةٍ،رحمةً بنا غير نسيان،فما كان ربُّنا نسيًّا. وما نصَّ عليه جعل معظمُه قابلًا لتعدد الأفهام،واختلافِ التفسيراتِ والاستنباطات،حتى يتسعَ للأصناف المتباينةِ منَ الناس،ما بين آخذٍ بظاهر النصِّ وحرفيته،وآخذٍ بروحِه وفحواهُ،وما بين مضيِّقٍ متشددٍ وموسِّعٍ مرخِّصٍ. [1]
سادسًا- احترامُ عقول وعواطف الآخرين:وذلك كما روى أَنَس فقَالَ:أَعْطَى النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُعْطِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غَنَائِمَنَا نَاسًا تَقْطُرُ سُيُوفُهُمْ مِنْ دِمَائِنَا أَوْ تَقْطُرُ سُيُوفُنُا مِنْ دِمَائِهِمْ. فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَقَالَ « هَلْ فِيكُمْ مِنْ غَيْرِكُمْ » . قَالُوا لاَ إِلاَّ ابْنُ أُخْتٍ لَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ أَقُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا َمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِمُحَمَّدٍ إِلَى دِيَارِكُمْ » . قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ أَخَذَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا أَخَذْتُ وَادِىَ الأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَهُمْ الأَنْصَارُ كَرِشِى وَعَيْبَتِى وَلَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءًا مِنَ الأَنْصَارِ » . [2]
فانظروا كيف عالج النبي الأمر وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - وطاعته عبادة،ورأيه وقوله وحيٌّ من الله تعالى،ومخالفته عذاب في الدنيا والآخرة،تأمل كيف تناول الأمر فذكَّرهم بنعم الله عليهم،ثم
(1) - انظر الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم - (ج 1 / ص 88)
(2) - مسند أحمد ، (13426) صحيح . صحيح مسلم ( 2493) نحوه.عيبتى:خاصتى وموضع سرى =الكرش:بطانته وموضع سره وأمانته والمعتمد عليهم في أموره.