رابعًا- إنَّ إبداءَ وجهة النظر حقٌّ لكلِّ مسلمٍ أهلٍ لذلك،فإذا كان من حقي أن اجتهد في فهم النصوص،أو فيما لا نصَّ فيه،فلا بد أن أعطي غيري الحق الذي لي. وإلا فما الذي يميزني عن غيري؟
وما دام من حق غيري أن يجتهد،فمن شأن الأمور الاجتهادية أن تختلف فيها الآراء والأفهام،وإلا لم تكن اجتهادية،سواء رأينا أن الصوابَ مع أحد الرأيين أو الآراء وإن لم يعرف هو بعينه،فإن حكم الله واحدٌ في المسألة،وفِّقَ إليه بعضهم،وإن لم نتيقنْ من هو،وأخطأه غيره،وإن لم نتأكد من هو أيضًا،إلا أن الإثم مرفوع عن الجميع،بل المخطئ مأجور أيضًا على اجتهاده أجرا واحدا،فعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ،وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » [1] .
وفي الأشباه والنظائر لابن نجيم"إذَا سُئِلْنَا عَنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ مُخَالِفِينَا فِي الْفُرُوعِ،يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُجِيبَ بِأَنَّ مَذْهَبَنَا صَوَابٌ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ وَمَذْهَبَ مُخَالِفِينَا خَطَأٌ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ ؛ لِأَنَّك لَوْ قَطَعْت الْقَوْلَ لِمَا صَحَّ قَوْلُنَا إنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ" [2] .
وهذا الاحتمال من الجانبين ـ احتمال الخطأ في رأي المجتهد،واحتمال الصواب في رأي غيره ـ هو الذي يقربُ المسافة بين الطرفين. [3]
خامسًا- احترام الرأي الآخر:فمن الدعائم المهمة هنا لتقريب الشقَّة،وتقليل حدة الخلاف:احترامُ الرأي المخالِف،وتقديرُ وجهات نظر الآخرين،وإعطاء آرائهم الاجتهادية حقَّها من الاعتبار والاهتمام،وذلك مبنيٌّ على أصل مهم،وهو:أن كلَّ ما ليس قطعيًّا من الأحكام،هو أمر قابل للاجتهاد،وإذا كان يقبلُ الاجتهاد،فهو يقبلُ الاختلافَ.
(1) - صحيح البخاري (7352 )
(2) - الأشباه والنظائر لابن نجيم - (ج 1 / ص 381)
(3) - انظر التقرير والتحبير - (ج 6 / ص 244) وغمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر - (ج 3 / ص 406) وتيسير التحرير - (ج 4 / ص 337) وفواتح الرحموت - (ج 2 / ص 348) وإرشاد النقاد - (ج 1 / ص 17) والقول السديد - (ج 1 / ص 53) والصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم - (ج 1 / ص 89)