وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُ فِى هِرَّةٍ فَإِذَا حَدَّثْتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَانْظُرْ كَيْفَ تُحَدِّثُ" [1] ."
وكذلك الخلاف مع الخوارج والمرجئة وغيرهم من فرق - في الأغلب - خلافٌ في فروع العقيدة،أكثرُ منه خلافًا في فروع الفقه،ومع هذا فقد روى المحدِّثون وعلى رأسهم الإمام البخاري عن هؤلاء إذا كانوا ثقات،غير داعين لبدعهم . ومن ذلك المسألة التي نحن بصددها فهي من الفروع العقدية التي لا تستوجب إيمانا ولا كفرًا،والخلاف فيها سائغ،وأمَّا ما نراه الآن بعكس ذلك،فهو دليل على ابتعاد القوم عن المنهج الحق الذي سار عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان .
ثالثا- الاختلاف المذموم،هو ما كان سببه البغي واتباع الهوى،كما قال تعالى: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» (البقرة:213) . وكذلك الاختلاف الذي يؤدي إلى تفرق الكلمة وتعادي الأمة،وتنازع الطوائف،ويلبسها شيعا،ويذيق بعضها بأس بعض،وهو ما حذر منه القرآن الكريم،والسنَّة المطهرة،أشد التحذير.قال تعالى: «وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ...» (آل عمران:103) .وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"ذروني مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شيء فَدَعُوهُ" [2] .وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ،وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ" [3] . وقَالَ:"عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ،وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ،فَمَنْ أَرَادَ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ" [4] .
(1) - مسند أحمد (11012) صحيح
(2) - صحيح البخاري (7288) . صحيح مسلم (3321) .
(3) - السُّنَّةُ لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ، رقم (81 ) صحيح لغيره.
(4) - المرجع السابق (746 ) صحيح لغيره