ذهبتَ تحوِّلهم مما يعرفون إلى ما لا يعرفون رأوا ذلك كفرًا،ولكنْ أقرَّ أهل كل بلدة على ما فيها من العلم،وخذْ هذا العلم لنفسك". [1] "
ثانيا:الاختلافُ بين الناس من طبيعة النصوص الشرعية،وطبيعة الحياة،وطبيعة البشر .فأما النصوص الشرعية فهي مرنة في كثير من الأحيان في الدلالة على الشيء أمرًا كان أو نهيًا،أي في الغالب ظنية الدلالة على المعنى المراد،وكذلك هناك اختلاف بين الناس في مداركهم وطبائعهم،ونظراتهم،فمن أراد أن يجمع بين الناس على رأيٍ واحدٍ،فعليه أن يغيِّرَ النصوص الشرعية،لتدلَّ دلالة قاطعة على المعنى المراد،وأن يغير طبيعة الناس ليكونوا كأنهم خلية نحل تمامًا،وكلاهما لله وحده،الذي لم يشأ هذا ولا ذاك،قال تعالى: « وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ » (الروم:22) . وقال تعالى:"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ*إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (هود:118-119) ثالثا- الاختلاف في فروع العقيدة جائز كما هو في فروع الفقه،والاختلافُ في الفروع سواء أكانت عقديةً أم في العباداتِ أم في المعاملاتِ أمرٌ طبيعيٌّ،اقتضته النصوص الشرعية وطبيعة المكلَّفين في فهمها،وليس قاصرا على الفروع الفقهية كما قد يظنُّ لأول وهلة ٍ،بل وفي فروع العقيدة كذلك منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم،مثل قول عائشة وابن عباس - وكلاهما في العقيدة - من اختلاف حول رؤية محمد - صلى الله عليه وسلم - لربه،ومنه مخالفة أم المؤمنين عائشة في حديث تعذيب المرأة التي حبست هرة [2] ،فَقَالَتْ لأبي هريرة:"أَنْتَ الَّذِى تُحَدِّثُ"أَنَّ امْرَأَةً عُذِّبَتْ فِى هِرَّةٍ أَنَّهَا رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَسْقِهَا". فَقَالَ سَمِعْتُهُ مِنْهُ يَعْنِى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - . فَقَالَتْ هَلْ تَدْرِى مَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِنَّ الْمَرْأَةَ مَعَ مَا فَعَلَتْ كَانَتْ كَافِرَةً"
(1) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 1 / ص 29) . مناقب الإمام مالك- فقه المدونة- (1 \ 25 , 26) . انظر العلواني:أدب الاختلاف. ص36-37 .
(2) - صحيح البخاري (2365) وهو مروي من طرق متعددة.