فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نُصَلِّى حَتَّى نَأْتِيَهَا،وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّى لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ . فَذُكِرَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ . [1]
فهل نحن أفهم من الصحابة رضي الله عنهم الذين عاصروا التنزيل ؟ .
عاشرًا- وهو الأهمُّ فيما نرى - على طالب العلم الذي يريدُ البحث في المسائل المتنازع فيها في فروع العقيدة أو العبادات أو المعاملات أن يفرِّغَ رأسه من أي رأي مسبقٍ،وأن يجمع الأدلة المتعلقة بالمسألة من كل الجوانب،وأن يحرر محل النزاع،وأن يبتعد عن الهوى ونصرة الذات أو المذهب،وأن يكون رائده الحق أينما كان،وعليه أن يناقش الأدلة - إن كان أهلًا لذلك - بموضوعية تامة،وسعة أفق،فلعل الله تعالى أن يردَّ المتنازعين إلى الصواب على يديه،وعليه أن يعلم سلفًا أن جميع المسائل المتنازع فيها،لن يصل هو ولا غيره إلى رأي قاطع فيها،لأن أدلتها ظنية،وليست قطعية،فهي تدور بين راجحٍ ومرجوحٍ،وليعلم أنه لن يلزم أحدا من أهل العلم بقوله،فقوله حجةٌ عليه فقط،كما أن لا يجوز له تأثيم المخالفين له في الرأي،وذلك لاحتمال الأدلة،فما يراه راجحًا قد يراه غيره مرجوحًا.
الحادي عشر- إن الحكم على الحديث جرحًا وتعديلًا هو أمر اجتهادي بحتٌ،قابلٌ للإصابة والخطأ،ومن ثمَّ إذا سلكنا مسلك المتشددين في الجرح والتعديل رددنا كثيرا من السنَّة الثابتة عند أكثر الأمة،وإذا سلكنا مسلك المتساهلين في قبول الأخبار قوَّلنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقل،وخير الأمور أوسطها،فهذا من سمة هذه الأمة الخاتمة،قال تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ..» (143) سورة البقرة.
وإذا سلكنا مسلك المعتدلين في الجرح والتعديل ضيَّقنا أسباب الخلاف إلى أبعد الحدود الممكنة .
ويقول الخطيب:
(1) - صحيح البخاري (946 )