قلت:قوله هذا يخالف فهم الصحابة رضي الله عنهم،وهم أعرف وأفهم من غيرهم،كيف لا وقد حضروا التوسل بالعباس،وهم عرب لم تدخلهم عجمة،فالفرق بين فهمهم وبين فهم مخالفهم كالفرق بين الأبيض والأسود فالقول قولهم،والصواب حليفهم،ولا يرضى العاقل بغير فهمهم لو أراد الإنصاف .وممن فهم أن التوسل بالعباس هو توسلٌ به أي بذاته لا بدعائه حسان بن ثابت الصحابي رضي الله عنه حيث قال:
سألَ الأنام وقد تتابع جدبنا فسقي الغمام بغرة العباس
عم النبي وصنو والده الذي ورث النبي بذاك دون الناس
أحيا الإله به البلاد فأصبحت مخضرة الأجناب بعد اليأس
وَفِي ذَلِكَ يَقُوْلُ عَبَّاسُ بنُ عُتْبَةَ بنِ أَبِي لَهَبٍ:
بِعَمِّي سَقَى اللهُ الحِجَازَ وَأَهْلَهُ * عَشِيَّةَ يَسْتَسْقِي بِشَيْبَتِهِ عُمُرْ
تَوَجَّهَ بِالعَبَّاسِ فِي الجَدْبِ رَاغِبًا * إِلَيْهِ،فَمَا إِنْ رَامَ حَتَّى أَتَى المَطَرْ
وَمِنَّا رَسُوْلُ اللهِ فِيْنَا تُرَاثُهُ * فَهَلْ فَوْقَ هَذَا لِلْمَفَاخِرِ مُفْتَخَرْ [1]
فالأبيات السابقة تصرح بأنَّ التوسل كان بالعباس رضي الله عنه أي بذاته لا بدعائه،والباء حرف إلصاق فلماذا يلوون عنق النص ؟
وفي العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد بن حنبل قال:"قال ابن عيينة:رجلان صالحان يستسقى بهما ابن عجلان،ويزيد بن يزيد بن جابر" [2]
وهذا توسل بذات الصالحين،ومن فهم أنه توسل بدعائهم يكون قد أخطأ .
ومن يحاول أن يصرف اللفظ هنا عن ظاهره،يكون قد كذب على صاحبي الأبيات رضي الله عنهما،واتبع هواه .
5-وعليه فإن قول بعضهم:إن الكلام ليس على ظاهره،ولا بد من تقدير مضاف محذوف في قول عمر"وإنا نتوسل إليك بعم نبينا"،أي بدعاء عم نبينا،قولهم هذا فيه صرف للنص عن ظاهره ولا دليل معهم إلا شُبَهٍ متخيلة،فالواجب والحالة هنا إبقاء النص على ظاهره .
(1) - الاستيعاب في معرفة الأصحاب - ج1 / ص 246) وجلاء العينين في محاكمة الأحمدين - ج1 / ص 118) وسير أعلام النبلاء (2/94) وخلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى - ج1 / ص 50) ونهاية الأرب في فنون الأدب - ج5 / ص 105)
(2) - العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد بن حنبل (1/163)