"لو صحَّت هذه الرواية،فهي إنما تدلُّ على السبب الذي من أجله توسل عمر بالعباس دون غيره من الصحابة الحاضرين حينذاك،وأما أن تدلَّ على جواز الرغبة عن التوسل بذاته - صلى الله عليه وسلم - لو كان جائزًا عندهم - إلى التوسل بالعباس أي بذاته فكلاَّ،ثم كلاَّ،لأننا نعلم بالبداهة والضرورة - كما قال بعضهم - أنَّه لو أصاب جماعة من الناس قحط شديد،وأرادوا أن يتوسلوا بأحدهم لما أمكن أن يعدلوا عَمَّن دعاؤه أقرب إلى الإجابة وإلى رحمة الله سبحانه وتعالى،ولو أنَّ إنسانًا أصيب بمكروه فادح وكان أمامه نبي وآخر غير نبي وأراد أن يطلب الدعاء من أحدهما لما طلبه إلا من النبي - صلى الله عليه وسلم - ،ولو طلبه من غير النبي - صلى الله عليه وسلم - وترك النبي لعُدَّ من الآثمين الجاهلين،فكيف يُظن بعمر ومن معه من الصحابة أن يعدلوا عن التوسل به - صلى الله عليه وسلم - إلى التوسل بغيره ؟ [1] ."
قلتُ:هذه الرواية - واتخذوه وسيلة إلى الله - في إسنادها جهالة-ولكنها لا تخرج عن الإطار العام للروايات الأخرى .
قوله:"فهي إنما تدلُّ على السبب الذي من أجله توسَّل بالعباس دون غيره من الصحابة".
قلتُ:هذا تسليمٌ منه بالمطلوب،فكان يكفيه الوقوف عند ذلك ولكن ... أما التوسُّل بالأدنى مع وجود الأعلى،والفاضل مع وجود المفضول،فله نظائر كثيرة بين الصحابة معلومة في أماكنها،وقد توسُّل عمر هنا بالعباس،وترك عليًا وهو أفضل من العباس عندهم.
قوله: ( ولو طلبه من غير النبي - صلى الله عليه وسلم - وترك النبي لعدَّ من الآثمين الجاهلين) .
قلت:هذا تهويل وتشويش وإيهام باطل ولم يقل أحد بمقولته هذه التي لا دليل عليها وغاية الأمر أنه ترْكٌ،والترك يدل على جوازه فقط،وتركهم ( إن سلم ذلك ) له احتمالات كثيرة،ولا ينبغي أن ينسب لساكت قول،والبناء على المجهول أُفُول .
4-قول ابن تيمية:وقوله:اللهمَّ إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا،وإنا نتوسل إليك بعم نبينا (يدل على أنَّ التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته) . اهـ .
(1) - التوسل ( ص 68 )