فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 190

الناظر في كلام ابن تيمية يجده ينفي التوسل بالذوات مطلقًا،لأن الصحابة رضي الله عنهم تركوا التوسّل به - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته لأنه مقصور على الدعاء فقط،ودعاؤه بعد انتقاله غير ممكن في رأيه،ولو كان توسلهم بذاته ممكنًا لما تركوه مع قيام المقتضي .

والجواب على هذا الإيراد يظهر في النقاط التالية:

1-إنَّ غايته ترك للتوسل به - صلى الله عليه وسلم - مع قيام المقتضي،وهو شدة الحاجة. والترك بمفرده لا يدل على التحريم أو الكراهية،وإنما يفيد الترك أن المتروك جائز تركه فقط،أما التحريم أو الكراهية،فهذا يحتاج لدليل آخر يفيد الحظر،وينبغي ألا ينسب لساكت قول،فتدبر [1]

2-لو كان الترك يدل على التحريم،فإن الصحابة قد تركوا التوسّل المتفق على جلالته وفضله،وهو التوسّل بأسماء الله وصفاته وهم مضطرون غاية الاضطرار لحال الشدة والقحط. كما يعلم من استسقاء عمر رضي الله عنه.

3-إن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إنا نتوسل إليك بعم نبينا) لا يخرج عن كونه توسلًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ،فقد قال العباس في دعائه: (وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك) ،ولذلك قال عمر بن الخطاب: (بعمِّ نبيك) ،ولم يقل: ( بالعباس) .وكان الأحرى بعمر في شدة الضيق أن يتوسل بمن هو أفضل من العباس من الصحابة وهم متوافرون ولكنَّ عمر رضي الله عنه قال: (أَيُّهَا النَّاسُ،إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَرَى لِلْعَبَّاسِ مَا يَرَى الْوَلَدُ لِوَالِدِهِ،يُعَظِّمُهُ،وَيُفَخِّمُهُ،وَيَبَرُّ قَسَمَهُ،فَاقْتَدُوا أَيُّهَا النَّاسُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي عَمِّهِ الْعَبَّاسِ،وَاتَّخِذُوهُ وَسِيلَةً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا نَزَلَ بِكُمْ) فلم يعدل عن التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - .فتوسل عمر بالعباس رضي الله عنهما فيه إرضاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - والإقتداء به في إكرام عمِّه واتخاذه وسيلة لقربه،ثم مع هذا رجاء دعائه لصلاحه .

قال الحافظ ابن حجر:"وَيُسْتَفَاد مِنْ قِصَّة الْعَبَّاس اِسْتِحْبَاب الِاسْتِشْفَاع بِأَهْلِ الْخَيْر وَالصَّلَاح وَأَهْل بَيْت النُّبُوَّة،وَفِيهِ فَضْل الْعَبَّاس وَفَضْل عُمَر لِتَوَاضُعِهِ لِلْعَبَّاسِ وَمَعْرِفَته بِحَقِّهِ ." [2] .

أما قول الألباني في توسله:

(1) - انظر رسالة حُسْنُ التَّفَهُّمِ والدَّرك لمسألة التَّرك، لعبد الله بن الصديق الغماري

(2) - فتح الباري 2/47

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت