فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 101

التنبيه الرابع- تبينَ أنَّ الاستعارةَ هي اللفظُ المستعملُ في غير ما وضعَ له، لعلاقة المشابهةِ، مع قرينةٍ مانعةٍ من إرادة المعنى الوضعيِّ .أو هي: مجازٌ لغويٌّ علاقتُه المشابهةُ، كقول زهير (1) :

لَدَى أَسَدٍ شاكي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ... لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ

فقد استعارَ لفظَ الأسدِ: للرجلِ الشجاعِ لتشابههِما في الجراءة،والمستعار له هنا: محققٌ حسًّا.

و كقوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} (6) سورة الفاتحة ; فقد استعارَ الصراط المستقيمَ للدين الحقِّ، لتشابههما في أن كلاّ يوصل إلى المطلوبِ.

و كقوله تعالى: {الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (1) سورة إبراهيم ،أي من الضلالِ إلى الهدى، فقد استعير لفظ الظلمات للضلال، لتشابههما في عدم اهتداء صاحبيِهما، وكذلك استعير لفظ النور للإيمان.لتشابههما في الهدايةِ، والمستعاراتُ لهما هو الضلالُ والإيمانُ، كلٌّ منها محققٌ عقلًا وتسمَّى هذه الاستعاراتُ تصريحيةً وتسمَّى تحقيقيةً.

وأمَّا قول أبي ذؤيب الهذلي (2) :

وإذا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفارَها ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لا تَنْفَعُ

في اغتيال النفوس قهرًا،من غير تفرقةٍ بين نفاعٍ وضرارٍ، ولم يذكر لفظ المشبَّه به، بل ذكر بعض لوازمِه وهو أظفارُها التي لا يكمل الاغتيالُ في السبع إلا بها.تنبيهًا على المشبَّه به المحذوفِ فهو استعارةٌ مكنيةٌ .

وكقول الشاعر (3) :

ولئن نطقتُ بشكرِ بِرِّكَ مفْصِحا ... فلسانُ حالي بالشِّكايةِ أنطَقُ

فشبه الحالَ، بإنسانٍ ناطقِ في الدلالةِ على المقصود، ولم يصرح بلفظ المشبَّه به ،بل ذكر لازمه،وهو اللسانُ الذي لا تقومُ الدلالة الكلاميةُ إلا به، تنبيهًا به عليه، فهو أيضًا استعارةٌ مكنيةٌ،وقد أثبتَ للمشبه لازمٌ من لوازم المشبَّه به، لا يكون إلا به كمالُه أو قوامُه في وجه الشبهِ كالأظفار التي لا يكمل الافتراسُ إلا بها.كما في المثال الأول واللسان الذي لا تقوم الدلالةُ الكلامية في الإنسان إلا به، كما في المثال الثاني وليس للمنية شيء كالأظفار نقل إليه هذا اللفظ، ولا للحال شيء كاللسان نقل إليه لفظ اللسان.و ما كان هذا حاله يعتبر طبعًا تخييلًا أو استعارةً تخييلةً.

التنبيه الخامس- تقدم أنَّ الاستعارةَ التصريحيةَ أو المصرحةَ: هي ما صرِّح فيها بلفظِ المشبَّه به.

وأن َّالمكنيةَ، هي ما حذِفَ فيها لفظُ المشبَّه به، استغناءً ببعض لوازمِه التي بها كمالُه أو قَوامُه في وجه الشبَّه

وأنَّ إثباتَ ذلك اللازمِ تخييلٌ أو استعارةٌ تخييليةٌ.،غير أنهم اختلفوا في تعريف كل ٍّمن المكنيةِ والتخييلةِ.

فمدهبُ السَّلف: أنَّ المكنيّةَ: اسمُ المشبَّه به، المستعارُ في النفس للمشبَّه، وأنَّ إثباتَ لازم المشبَّه به للمشبَّه استعارةٌ تخييلية ٌ ،فكلُّ من الأظفارِ في قوله: وإذا المنيةُ أنشبتْ أظفارَها.واللسانِ في قوله: فلسانُ حالي بالشكايةِ أنطقُ ، حقيقةٌ، لأنه مُستعملٌ فيما وضِع لهُ.

و مذهبُ «الخطيبِ القزويني» أنَّ المكنيةَ: هي التشبيهُ المضمَرُ في النفس، المرموزُ إليه بإثباتِ لازم المشبَّه به للمشبَّه ،و هذا الإثباتُ هو الاستعارةُ التخييليةُ.

و مذهب «السكاكيِّ» أنَّ المكنيةَ لفظُ المشبَّه، مرادًا به المشبَّه به ،فالمرادُ بالمنيةِ في قوله: وإذا المنيةُ أنشبتْ أظفارَها هو السبعُ بادعاءِ السبعيةِ لها.وإنكارِ أنْ تكونَ شيئًا غيرَ السبع، بقرينةِ إضافةِ الأظفار التي هي من خواصِّ السبع إليها.والتخييليةُ عندهُ ما لا تحقق… لمعناهُ؛لاحسًا ولا عقلًا ،بل هو صورةٌ وهميةٌ محضةٌ: كالأظفارِ في ذلك المثال ،فإنه لما شبَّه المنيةَ، بالسبعِ في الاغتيالِ، أخذَ الوهم يصورها بصورته.ويخترعَ لها لوازمَه، فاخترع لها صورةً كصورةِ الأظفار،ثم أطلق عليها لفظَ الأظفارِ فيكون لفظُ الأظفارِ استعارةٌ تصريحيةٌ تخييلةٌ.أما أنها تصريحيةٌ: فلأنهُ صرح فيها بلفظ المشبَّه به وهو اللازمُ الذي أطلقَ على صورةٍ وهميةٍ شبيهةٍ بصورة الإظفارِ المحققةِ ،وأما أنها تخييليةٌ: فلأن المستعارَ له غير محققٍ لاحسًّا ولا عقلًا،والقرينةُ على نقل الأظفارِ من معناها الحقيقيِّ إلى المعنى المتخيَّلِ، إضافتها إلى المنيةِ.هذا، ومذهبُ السكاكيِّ في المكنيةِ مردودٌ عليه، بأنَّ لفظَ المشبَّه فيها مستعملٌ فيما وضعَ له تحقيقًا، للقطعِ بأن المرادَ بالمنيةِ الموتُ لا غيرَ، فليس مستعارًا.

التنبيه السادس- الاستعارةُ صفةٌ للَّفظ على المشهور; والحقُّ أنَّ المعنى يعارُ أولًا ثم يكونُ اللفظُ دليلًا على الاستعارةِ، وذلك:

1 -لأنه إذا لم يكن نقلُ الاسم تابعًا لنقل المعنى تقديرًا لم يكن ذلك استعارةً ،مثلَ الأعلامِ المنقولة، فأنت إذا سميتِ إنسانًا بأسدٍ، أو نمرِ، أو كلبٍ، لا يقال: إنَّ هذه الأسماءَ مستعارةٌ; لأنَّ نقلها لم يتبعْ نقل معانيها تقديرًا.

(1) - الشعر والشعراء - (ج 1 / ص 36) وجمهرة أشعار العرب - (ج 1 / ص 33) وخزانة الأدب - (ج 2 / ص 449) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 282) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 21 / ص 149) وتاج العروس - (ج 1 / ص 6063)

(2) - تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين) - (ج 1 / ص 95) وقواعد الشعر - (ج 1 / ص 3) ونقد الشعر - (ج 1 / ص 32) ولباب الآداب للثعالبي - (ج 1 / ص 42) والحماسة البصرية - (ج 1 / ص 95) والمفضليات - (ج 1 / ص 78) وجمهرة أشعار العرب - (ج 1 / ص 67)

(3) - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 100) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 188)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت