وبالسند قال:
586 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن يحيى الأويسي القرشي المدني (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي (عَنْ صَالِحٍ) بن كيسان مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز.
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري (قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولأبي ذر: بالإفراد فيهما، وللأصيلي: (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) الليثي (الْجُنْدَعِيُّ) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وقد تضم بعدها عين مهملة نسبة إلى جندع بن ليث.
(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لاَ صَلاَةَ) أي: جائزة (بَعْدَ) صلاة (الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ) أي: منعقدة أو صحيحة (حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ) ودلالته على الترجمة بالاستلزام؛ لأن الصلاة إذا لم تكن صحيحة فلا يتحراها العاقل.
قال في (( الفتح ) ): وقال ابن دقيق العيد: صيغة النهي في ألفاظ الشارع إذا دخلت على فعل كان الأولى حملها على نفي الفعل الشرعي لا الحسي؛ لأنا لو حملناه على نفي الفعل الحسي لاحتجنا في تصحيحه إلى إضمار والأصل عدمه وإذا حملناه على الشرعي لم يحتج إلى إضمار فهذا وجه الأولوية وعلى هذا فهو نفي بمعنى النهي والتقدير: لا تصلوا.
وحكى أبو الفتح اليعمري عن جماعة
ج 2 ص 362
من السلف أنهم قالوا: أن النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر إنما هو إعلام بأنهما لا يتطوع بعدهما ولم يقصد الوقت بالنهي كما قصد به وقت الطلوع ووقت الغروب.
ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تصلوا بعد الصبح ولا بعد العصر إلا أن تكون الشمس نقية ) )، وفي رواية: (( مرتفعة ) )، فدل على أن المراد بالبعدية ليس على عمومه وإنما المراد وقت الطلوع ووقت الغروب وما قاربهما انتهى.
أقول: وفي هذا الكلام غموض يحتاج إلى الإيضاح وإيضاحه أن الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها خمسة عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند استوائها وبعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر وهي منقسمة إلى قسمين:
قسم مرجع النهي فيه إلى الوقت وهو الثلاثة الأول.
وقسم مرجع النهي فيه إلى الفعل وهو الأخير أن بعد صلاة العصر حتى تدنو من الغروب وبعد صلاة الصبح حتى ترتفع كرمح في رأي العين فهذان الوقتان الكراهة فيهما متعلقة بفعل الصلاتين حتى لو أخر صلاة العصر مثلًا إلى آخر وقتها لم يمتنع عليه التنفل قبل أدائها ولهذا استحب الحنفية تأخيرها توسعة للنوافل وبين القسمين فرق آخر وهو أن ما مرجع النهي فيه إلى الفعل يصح فيه الفوائت وكذا النافلة ذات السبب المتقدم عند الشافعية.
وأما ما مرجع النهي فيه إلى الوقت فلا ينعقد فيه القضاء ولا النافلة مطلقًا.
واستثنى المالكية والشافعية مكة فلا تكره عندهم الصلاة فيها في وقت من الأوقات بقوله صلى الله عليه وسلم: (( يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى في أية ساعة شاء من ليل أو نهار.
ورواة الحديث الستة مدنيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي وأخرجه مسلم في الصلاة وكذا النسائي.